المحذورين فلا بأس به ، وعند ذلك يرجع إلى القصص المحمودة وإلى ما يشتمل عليه القرآن ويصح في الكتب الصحيحة من الاخبار ، ومن الناس من يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ، ويزعم أن قصده فيها دعوة الخلق إلى الحق ، فهذه من
شرح
الستة لكراهة بعض السلف القصص ، وذكره بعد الكذب فهما وجهان من الوجوه الستة ، وقد أفصح عنها ابن الجوزي في كتاب القصاص والمذكرين ، وسيأتي للمصنف مزيد على ذلك في المهلكات في ذم الغرور ، ( فبعد الاحتراز عن هذين المحذورين ) وهما الكذب والمحالات ( فلا بأس به ) ولا يكون مذموما ، ( وعند ذلك ترجع القصص المحمودة إلى ما يشتمل عليه القرآن ) . أخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن ابن سيرين قال : بلغ عمر أن قاصا يقص بالبصرة فكتب إليه :( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ )[ يوسف : 31 ] إلى آخر الآيات قال فعرف الرجل فتركه .
وأخرج عبد بن حميد في تفسيره ، عن قيس بن سعد قال : جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا )[ مريم : 41 ]( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ )الآية [ مريم : 54 ]( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ )الآية [ مريم :
56 ] ذكرنا بأيام اللّه وأثن على من أثنى اللّه عليه ، ( و ) إلى ( ما صح في الكتب الصحيحة من الأخبار ) كالكتب الستة الصحاح ، ومن كتب التفاسير مع وقع الاتفاق على صحتها والوثوق بها .
قال الحافظ العراقي : الباعث على الخلاص من حوادث القصاص أنهم ينقلون حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غير معرفة بالصحيح والسقيم قال ؛ وإن اتفق انه نقل حديثا صحيحا كان آثما في ذلك لأنه ينقل ما لا علم به وان صادف الواقع كان آثما باقدامه على ما لا يعلم قال : ونظر أحدهم في بعض التفاسير المصنفة لا يحل له النقل منها لأن كتب التفاسير فيها الأقوال المنكرة والصحيحة ، ومن لا يميز صحيحها عن منكرها لا يحل له الاعتماد على الكتب قال : وليت شعري كيف يقدم من هذه حاله على تفسير كتاب اللّه أحسن أحواله أن لا يعرف صحيحه من سقيمه .
قال : وأيضا فلا يحل لأحد ممن هو بهذا الوصف أن ينقل حديثا من الكتب ، بل ولو في الصحيحين ما لم يقرأه على من يعلم ذلك من أهل الحديث . وقد حكى الحافظ أبو بكر بن خير اتفاق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا . ولو على أقل وجوه الروايات اه .
قلت : فالذي تلخص مما ذكرنا أنه لا ينبغي أن يقص على الناس إلا العالم المتقن فنون العلم ، الحافظ لحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، العارف بصحيحه وسقيمه ومسنده ومقطوعة ومنفصلة ، العالم بالتواريخ وبسير السلف ، الحافظ لأخبار الزهاد ، الفقيه في دين اللّه ، العالم بالعربية واللغة ومدار كل ذلك على تقوى اللّه ، وأنه يخرج الطمع في أموال الناس من قلبه . كذا حققه ابن الجوزي وسيأتي لذلك مزيد في ربع المهلكات إن شاء اللّه تعالى . ( ومن الناس من يستجيز ) أي يجوّز ( وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ) المزهدة عن الدنيا وآفاتها ، ( ويزعم أن قصده