فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار ، فمن هذا نهي عنه ، ولذلك قال أحمد بن حنبل رحمه اللّه : ما أحوج الناس إلى قاص صادق ، فإن كانت القصة من قصص الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بأمور دينهم ، وكان القاص صادقا صحيح الرواية فلست أرى به بأسا ، فليحذر الكذب وحكايات أحوال تومىء إلى هفوات أو مساهلات يقصر فهم العوام عن درك معانيها أو عن كونها هفوة نادرة مردفة بتكفيرات متداركة بحسنات تغطي عليها ، فإن العامي يعتصم بذلك في مساهلاته وهفواته ويمهد لنفسه عذرا فيه ويحتج بأنه حكى كيت وكيت عن بعض المشايخ وبعض الأكابر ، فكلنا بصدد المعاصي ، فلا غرو إن عصيت اللّه تعالى فقد عصاه من هو أكبر مني ويفيده ذلك جرأة على اللّه تعالى من حيث لا يدري ، فبعد الاحتراز عن هذين
شرح
ثلاثا إما أن يسمر قوله بما يهزل دينه وإما عجب بنفسه ، وإما أن يأمر بما لا يفعل فلهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم القاص ينتظر المقت » ( ومن فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار فمن ) أجل ( هذا نهي عنه ) وفي بعض النسخ فعن هذا نهي ، ( ولذلك قال أحمد بن حنبل رحمه اللّه : ما أحوج الناس إلى قاص صادق ) ويروى : صدوق لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر . قيل له : أنت كنت تحضر مجالسهم ؟ قال : لا . هكذا أورده صاحب القوت ، وقد تقدم قريبا من رواية الطرطوشي . قال صاحب القوت : وأخبرونا عن محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن حنبل حدثه قال : صليت مع أحمد بن حنبل صلاة العيد فإذا قاص يقص يلعن المبتدعة ويذكر السّنة ، فلما قضينا الصلاة وصرنا ببعض الطريق ذكر أبو عبد اللّه القاص فقال : ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة ما يحدثونه كذبا اه .
( فإن كانت القصة ) التي يقصها القاص ( من قصص الأنبياء ) عليهم السلام ( فيما يتعلق بأمور دينهم وكان القاص صادقا ) فيما ينقله ( صحيح الرواية ) غير مخلطها من طرق صحيحة ( فلست أرى به بأسا ) وليس بمذموم في نفسه لأن في ذلك اقتداء بصواب لمتبع ، ( فليحذر ) القاص ( الكذب ) فيما ينقله عن الشيوخ وليحذر ( حكاية أحوال تومئ ) أي تشير . وفي نسخة : تؤدي ( إلى هفوات ) أي سقطات ( أو مساهلات يقصر فهم العوام عن درك معانيها ) فيفسد قلوبهم بذلك ( و ) يقصر فهمهم ( عن ) درك ( كونها هفوة نادرة ) الوقوع ( ومردفة ) أي متبعة ( بتكفيرات ) أي بما يكفرها ( ومتداركة بحسنات تغطي عليها ) . هذا هو المناسب في حضرات السلف ، ( فإن العامي ) الجاهل حين يسمع ( يعتصم بذلك في مساهلاته وهفواته ) مع نفسه ( ويمهد لنفسه عذرا فيه ) فيقع في الخطأ ( ويحتج بأنه حكى كيت وكيت عن المشايخ وبعض الأكابر وكلنا بصدد المعاصي ) ومن الذي عصم منا ، ( فلا غرو ) أي لا عجب ( ان عصيت اللّه فقد عصى أكبر مني ) مقاما وحالا ( ويفيده ذلك جرأة على اللّه تعالى من حيث لا يدري ) ، وهذا الذي ذكره أحد الوجوه