القلب عنه ، ولقد كان سليمان عليه السلام في ملكه من الزهاد ، ويدل على احتقاره للدنيا ما روي عن الشافعي رحمه اللّه أنه قال : رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان وبغال مصر ما رأيت أحسن منه فقلت لمالك رحمه اللّه : ما أحسنه . فقال : هو هدية مني إليك يا أبا عبد اللّه ، فقلت : دع لنفسك منها دابة تركبها ، فقال : إني أستحي من اللّه تعالى أن أطأ تربة فيها نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحافر دابة ، فانظر إلى سخائه إذ وهب جميع ذلك دفعة واحدة وإلى توقيره لتربة المدينة . ويدل على إرادته بالعلم وجه اللّه تعالى واستحقاره للدنيا ما روى عنه أنه قال : دخلت على هارون الرشيد فقال لي : يا أبا عبد اللّه ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ . قال : فقلت أعز اللّه مولانا الأمير إن هذا العلم منكم خرج ، فإن أنتم أعززتموه عز ، وإن أنتم أذللتموه ذلّ ،
شرح
ساحته فيها ( وليس ) حقيقة ( الزهد ) عندهم ( فقد المال ) وذهابه ، ( وإنما الزهد فراغ القلب عنه ) أي خروج حبه عن القلب ، ( فلقد كان سليمان عليه السلام في ملكه ) الذي لا ينبغي أن يكون لأحد من بعده ( من الزهاد ) واشتغاله بأعباء الملك ظاهرا لا يمنع الزهد ، ( ويدل على احتقاره للدنيا ما روي عن الشافعي أنه قال : رأيت على باب مالك كراعا ) الكراع : اسم لجميع الخيل والسلاح ( من أفراس خراسان ) كورة مشهورة بالعجم يجلب منها جياد الخيل ( وبغال مصر ) أي مما أرسلت إليه في الهدايا ( ما رأيت أحسن منها فقلت لمالك :
ما أحسنه ، فقال : هو هدية مني إليك يا أبا عبد اللّه ، فقلت : دع لنفسك منها دابة تركبها فقال : أما أستحي من اللّه أن أطأ تربة ) أي أرضا ( فيها نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحافر دابة فانظر إلى سخاوته ) وكرمه ( إذ وهب جميع ذلك ) أي من الدواب للشافعي ( دفعه واحدة ) بمجرد قوله له : ما أحسنه . ( وإلى توقيره لتربة المدينة التي فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، وإنما نشأ هذا من مراقبة اللّه تعالى في أحواله كلها وعدم الالتفات إلى زهرة الدنيا ، ( ويدل على إرادته بالعلم وجه اللّه واستحقاره للدنيا ما روى عنه أنه قال : دخلت على هارون الرشيد ) حين جاء إليه يحيى بن خالد يطلبه ( فقال لي : يا أبا عبد اللّه ) وهي كنية مالك والشافعي وأحمد وسفيان ( ينبغي ان تختلف إلينا ) أي تتردد ( حتى يستمع صبياننا منك الموطأ . قال ، قلت ) له :
( أعز اللّه الأمير إن هذا العلم منكم خرج ) يعني قريشا ر ( فإن أنتم اعززتموه عز ) أي صار عزيزا ( وإن أذللتموه ذل ) صار ذليلا ( والعلم يؤتى ) إليه لرفعة قدره ( ولا يأتي ) وفي المدارك للقاضي عياض أنه قال لهارون : أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون ومنكم خرج العلم وأنتم أولى الناس باعظامه ، ومن اعظامكم له أن لا تدعوا حملته إلى أبوابكم ، وقال السخاوي في المقاصد : العلم يسعى إليه هو من قول مالك ، ويروي : العلم أولى أن يوقروه ويؤتى إليه قاله للمهدي حين استدعى به لولديه ليسمعا منه ، ويروى بلفظ : العلم يزار ولا يزور ويؤتى ولا يأتي اه .