قال : وقد يؤاخذ الإنسان بشيء من أفعال القلب نحو إرادة العزم والرضى بالفعل والسخط به والاختيار له والنية عليه ومثل الحسد والطمع وتعليق القلب بما دون اللّه عز وجل والنفاق والرياء والإعجاب ، وأما لا ما لا يؤاخذ به فهو كالخواطر واردة عليه مما لا يدخل تحت قدرته انتهى كلامه ، ويأتي قريبا كلام الشيخ عبد القادر في ركون القلب إلى غير اللّه عز وجل وقد قال تعالى حاكيا عن يوسف عليه السّلام :
وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
[ سورة يوسف : الآية 42 ] .
قال المفسرون عقوبة له على تلك الكلمة فاستعان بمخلوق أي بعدد السنين التي كان لبثها وكذا ذكره ابن الجوزي ، ومذهب القاضي أبي بكر بن الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها آثم في اعتقاده وعزمه ، ويفرق بين الهم والعزم ، قال المازري : وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين وأخذوا بظاهر الأحاديث . قال القاضي عياض : مذهب عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب لكنهم قالوا : إن هذا العزم يكتب سيئة وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف اللّه عز وجل والإنابة لكن نفس الإصرار والعزم معصية فتكتب معصية فإذا عملها كتبت معصية ثانية ، فإن تركها خشية اللّه عز وجل كتبت حسنة كما في الحديث " إنما تركها من جرائي " " 1 " فصار تركه لها لخوف اللّه عز وجل ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك وعصيانه هواه حسنة ، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية ولا عزم . وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف اللّه عز وجل بل لخوف الناس هل تكتب حسنة ؟ قال : لا ، لأنه إنما حمله على تركها الحياء وهذا ضعيف . هذا كلامه .
و ( جرائي ) بفتح الجيم وتشديد الراء وبالمد والقصر معناه من أجلي . وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه " إن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة " " 2 " واللّه أعلم .
وقد عرف دليل القولين من يرى المؤاخذة على أعمال القلوب ومن يرى عدمها مما سبق ، من لا يرى المؤاخذة يحتج بقوله عليه السّلام : " إن الله تعالى تجاوز لأمتي " " 3 " الخبر وبحديث الهم بالسيئة . وقد بقوله تعالى عن الحرم :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ سورة الحج : الآية 25 ] .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( الإيمان / 205 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 7501 ) .
( 3 ) تقدم وهو من الصحيحين .