لكن حمله على أنه أراد بالخبر العفو في عدم الفطر أولى لما فيه من الموافقة والصواب وقد لا يشكل عليه قوله يخالفه في التحريم إن تعلق بأجنبية لأن صاحب المحرر قد وافقه في هذا مع أنه لم يحتج بهذا الخبر ولا منع التأثيم واللّه سبحانه أعلم .
وأما الفكرة الغالبة فلا إثم بها ولا فطر . قال ابن الجوزي في تفسيره في قوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ سورة الحج : الآية 25 ] فإن قيل : هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة ولم يفعله ؟ فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة عوقب . هذا مذهب ابن مسعود فإنه قال لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه ما لم يعملها ، ولو أن رجلا هم بقتل مؤمن عند البيت وهو بعدن أبين أذاقه اللّه عز وجل في الدنيا من عذاب أليم .
وقال الضحاك أن الرجل يهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى فتكتب عليه وإن لم يعملها . وقال مجاهد تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات . وسئل أحمد رضي اللّه عنه هل تكتب السيئة أكثر من واحدة ؟ فقال : لا إلا بمكة لتعظيم البلد ، وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها .
والثاني : أن معنى ( ومن يرد ) من يعمل ، وقال أبو سليمان الدمشقي هذا قول سائر من حفظنا عنه انتهى كلام ابن الجوزي .
وقد ذكر أصحابنا أنه إذا نوى الخيانة في الوديعة لا يضمن لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " " 1 " ولأنه لم يخن فيها بقول ولا فعل كما لو لم ينو والمراد كما لو لم ينو في عدم الضمان ولم يذكروا أنه لا يأثم فعلى هذا يأثم بذلك ولا يلزم منه الضمان ، وفيه وجه يضمن بذلك ، ومثله نية الملتقط الخيانة ، أما لو نوى حال الإلتقاط بأن التقط قاصدا للتمليك فإنه يضمن لأنها ليست نية مجردة لاقترانها بالفعل .
وذكر الأصحاب أنه لو طلق بقلبه لم يقع ولو أشار بأصبعه لعدم اللفظ ، واحتجوا بالخبر " إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به " " 2 " متفق عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي خلافا لابن سيرين والزهري ، وعن مالك روايتان . وقال القاضي في كتاب المعتمد وقاله غيره : وللعبد قدرة على مساعي قلبه ، وقد قال أحمد في رواية صالح إذا حدث نفسه بشيء صرف ذلك عن نفسه ، وصرفه عن نفسه يدل على قدرته . قال القاضي :
وللقلب أفعال سوى حديث النفس بالفعل لقوله تعالى :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[ سورة البقرة : الآية 225 ] .
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) رواه البخاري ( 5269 ) ومسلم ( الإيمان / 201 ، 202 ) .