تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآداب الشرعية والمنح المرعية — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
فخصه بذلك . ومن يرى المؤاخذة فقد يجيب عن الخبر الأول إما بأن عمل القلب عمل فيدخل في اللفظ ، أو يقول إنما يدل على محل النزاع بعمومه فيخص بأدلتنا . وعن الخبر الثاني بأنه لا تصريح فيه ، وإن سلم بظهوره ترك بأدلتنا . وعن الآية الكريمة إما بأن المراد بقوله : ( ومن يرد ) أي يعمل كما سبق أو بأنه خصه للعذاب الخاص وهو العذاب الأليم لا أنه يختص بالمؤاخذة المطلقة بل خصه لاختصاصه بالمؤاخذة الخاصة . ومن يرى المؤاخذة يحتج بقوله تعالى :
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
[ سورة الحجرات : الآية 12 ] . وبقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ سورة النور : الآية 19 ] . وبإجماع العلماء على تحريم الحسد ونحوه من النفاق والرياء . ومن لا يرى المؤاخذة قد يجيب عن الأول بأنا نقول به وهو الظن الذي اقترن به قول أو فعل ، ثم لو كان خلاف الظاهر فلما فيه من الجمع بينه وبين أدلتنا ، وعن الثانية بأن القول مراد فيها بدليل قوله :
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ سورة النور : الآية 19 ] . في الدنيا وهو الحد ولا يجب إلا بالقول وأما الحد فهو حق لآدمي تعم البلوى بوقوعه فاحتيج إلى زيادة ردع وهو المؤاخذة بمجرده . وذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن النهي عن الحسد إنما يتوجه إلى من عمل بمقتضى التسخط على القدر أو ينتصب لذم المحسود ، وينبغي أن يكره ذلك من نفسه ، وهذا معنى ما ذكره الشيخ تقي الدين ، وذكر قول الحسن البصري : غمه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعتد به يدا ولسانا ، وعليه أن يكره ذلك من نفسه ، قال وفي الحديث " ثلاث لا ينجو منهن أحد الحسد والظن والطيرة ، وسأحدثكم بالمخرج من ذلك إذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض " " 1 " انتهى ، وقد ذكر ابن عبد البر هذا الخبر الأخير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على سبيل الاحتجاج به والقول به وذلك في النسخة الوسطى من الآداب بأبسط من هذا . قال الحاكم في تاريخه أخبرنا أبو بكر بن الجعاني قال : لا تشتغل بالحسد واصبر عليهم فقد حدثونا عن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال الحسد داء منصف يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود ، كذا ذكره الحاكم . ويتوجه أنه لا يضر المحسود مع ماله من الأجر والثواب . قال ابن عقيل في الفنون : افتقدت الأخلاق فإذا أشدها وبالا على صاحبها الحسد فإنه
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ( 6 / 125 ) عن إسماعيل بن أمية معضلا . وله شواهد ذكرها الحافظ في الفتح ( 10 / 224 ) .
الآداب الشرعية والمنح المرعية — صفحة 87 | محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي