تعذيبهما بالصغائر وفي الآية إخبار بتكفيرها وتكفيرها يجوز أن يكون بالآلام والبلايا ولعل المعذبين لم تكفر صغائرهما بمصائب ولا آلام . كذا قال . وتقدم قول أبي بكر فيه ، وفي الغنية إذا تاب المؤمن عن الكبائر اندرجت الصغائر في ضمنها لقوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
[ سورة النساء : الآية 31 ] .
لكن لا يطمع نفسه في ذلك بل يجتهد في التوبة عن جميع الذنوب صغيرها وكبيرها ، فعلى كلام هؤلاء من أصحابنا رحمهم اللّه أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر وهو ظاهر ما ذكره جماعة من المفسرين منهم الجوزي لظاهر قوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ سورة النساء : الآية 31 ] .
واختلف الصحابة والتابعون في الكبائر اختلافا كثيرا بضعه عشر قولا ليس في شيء منها أنه الشرك فقط . وحكاه بعض المفسرين قولا ولم يذكر قائله فالقول به خلاف إجماع الصحابة والتابعين في الآية مع أنه خلاف ظاهره على ما لا يخفى فظاهرها أن اجتنابها مكفر نصبه الشارع سببا لذلك فليس المكفر حسنات ولا مصائب بل ذلك مكفر أيضا . فمن ادعى أنه مراد الآية ومقتضاها أو تدل عليه فقد خالف ظاهر الآية بغير دليل كما خالف ظاهر الإجماع السابق ، ولو كان الأمر كما قاله أو كما قاله من قال المراد الشرك لبينه الصحابة والتابعون ولما أغفله مثلهم وإنما أجروا الآية على ظاهرها ، ولا يخفي أنه لا يتجه تضعيف القول الأول وتصحيح الثاني ، وأن طريق التضعيف واحد .
ومما يوافق ظاهر الآية ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
" الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " " 1 " وروى مسلم أيضا عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول " 2 " : " ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله " وعن أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال " 3 " : " من جاء يعبد اللّه عز وجل لا يشرك به شيئا ، ويقيم
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( الطهارة / 15 ) .
( 2 ) رواه مسلم ( الطهارة / 7 ) .
( 3 ) رواه أحمد ( 5 / 413 ) والنسائي ( 7 / 88 ) وابن أبي عاصم ( 1 / 97 / 2 ) من طريق بقية قال حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان أن أبارهم السمين حدثهم أن أبا أيوب الأنصاري حدثه . . . فذكره .
قال الشيخ الألباني وهذا إسناد جيد صرح فيه بقية بالتحديث . بجير بن سعد وثقه ثبت ، وتابعه محمد بن إسماعيل عن أبيه عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي رهم به . أخرجه ابن أبي عاصم . قلت : فانظر الإرواء ( 1202 ) .