تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ذم الهوى — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
فعلمت الأمر كيف جرى ، فقلت لها : كوني فوق إلى أن أستبرئك ، وكنت أطلب مسألة قد اختلّت عليّ ، فاشتغل قلبي ، فقلت للخادم : خذها وامض بها إلى النخاس ، فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي . فأخذها الغلام ، فقالت : دعني أكلمه بحرفين . فقالت : أنت رجل لك محل وعقل ، وإذا أخرجتني ولم تبين لي ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي ظنا قبيحا ، فعرّفنيه قبل أن تخرجني ، فقلت لها : مالك عندي عيب غير أنك شغلتني عن علمي فقالت : هذا أسهل عندي . قال : فبلغ الراضي أمره ، فقال : لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل . قال محمد بن جعفر : وحدثني عنه أبو الحسن العروضي قال : اجتمعت أنا ، وهو عند الراضي على الطعام ، وكان قد غرف الطباخ ما يأكل أبو بكر ، فكان يشوي له قلية يابسة ، فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه ، وهو يعالج تلك القلية ، ثم فرغنا وأتينا بحلواء ، فلم يأكل منها ، وقام وقمنا إلى الخيش ، فنام بين الخيشين ونمنا نحن في خيش ننافس فيه ، فلم يشرب ماء إلى العصر ، فلما كان بعد العصر قال لغلام الوظيفة ، فجاءه بماء من الحب وترك الماء المزمّل بالثلج ، فغاظني أمره ، فصحت : نصيحة . فأمر أمير المؤمنين بإحضاري ، وقال : ما نصيحتك ؟ فأخبرته وقلت : هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه ، لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها . فضحك وقال : في هذا لذة وقد صار إلفا فلن يضره . ثم قلت : يا أبا بكر لم تفعل هذا بنفسك ؟ قال : أبقي على حفظي . قلت له : قد أكثر الناس في حفظك فكم ؟ قال : أحفظ ثلاثة عشر صندوقا . قال محمد بن جعفر : ولما وقع في علة الموت أكل كلّ شيء كان يشتهي ، وقال : هي علة الموت .