تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ذم الهوى — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
بعد المحبة ، فإذا امتحن الإنسان فصبر مكّن ، ألا ترى أن اللّه تعالى امتحن إبراهيم ثم مكّنه ، وامتحن أيوب ثم مكّن له ، فقال :
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
( 84 ) [ الأنبياء ] . وامتحن سليمان ثم آتاه ملكا ، وكذلك يوسف عليه السّلام . قلت : فمن نظر في هذا فليعلم أن مدة هذا البلاء خطوات في ميدان معاملة ، ويا قرب النهاية ، فليصابر هجير الصبر ، فما أسرع انقضاء اليوم ، وليحذر من الخسران في موسم البلاء ، فربما ذهب أصل البضاعة ! . وليتخايل عند صبره خيلاء فخره فليزه بها ، فما يوازن صبره عمل عابد ولا زهد زاهد ، وربما نظر إليه في تلك الحالة نظرة رضا كانت غنى الأبد ، وهذا كله في الصدمة الأولى ، فإنه ربما وقع ملل أو سلو .

فصل : ومن أدوية الباطن أن يتفكر الإنسان فيما يفوّته تشاغله بالمعشوق من الفضائل فإن أرباب اليقظة عشقهم للفضائل من العلوم والعفة ،

والصيانة والكرم ، وغير ذلك من الخلال الممدوحة أوفى من ميلهم إلى شهوات الحس ، لأن شهوات الحس حظ النفس ، وتلك الخلال حظ العقل ، والنفس الناطقة الفاضلة إلى ما يؤثره العقل أميل ، وإن جرّها الطبع إلى الشهوات الحسيات . ومن أعجب ما نقل إلينا من ذلك ما أخبرنا به أبو منصور القزاز ، قال : أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي ، قال : قال محمد بن جعفر التميمي : حدثت عن أبي بكر ابن الأنباري أنه مضى يوما في النخاسين ، وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف ، قال : فوقعت في قلبي ، ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي ، فقال لي : أين كنت إلى الساعة ؟ فعرفته ، فأمر بعض أسبابه ، فمضى فاشتراها ، وحملها إلى منزلي ، فجئت فوجدتها ،
كتاب ذم الهوى — صفحة 657 | ابن الجوزي / محمد إبراهيم الزغلي / عصام فارس الحرستاني