لعل هذه العبرة تخرق حجاب الهوى ، فتدخل على القلب بغير إذن فتكشف هذه الغمة . فالعاقل من وزن ما يحتوي عليه العشق من لذة ونغصة ، فنغصه كثيرة وأذاه شديد ، وهو على الحقيقة يهين النفس التي لا قيمة لها ، وغالب لذاته محرّم ، ثم هي مشوبة بالغموم والهموم ، وخوف الفراق ، وفضيحة الدنيا وحسرات الآخرة .
فيعلم الموازن بين الأمرين أن اللذة مغمورة في جنب الأذى .
قال الببغاء :
وأفضل الناس من لم يرتكب سببا * حتى يميّز ما تجني عواقبه
وقال المتنبي :
ممّا أضرّ بأهل العشق أنهم * هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم * في إثر كلّ قبيح وجهه حسن
تحمّلوا حملتكم كلّ ناجية * فكلّ بين عليّ اليوم مؤتمن
ما في هوادجكم من مهجتي عوض * إن متّ شوقا ولا فيها لها ثمن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم * ثم استمرّ مريري وارعوى الوسن « 1 »
فصل : ومن أدوية الباطن أن يعلم أن الابتلاء لظهور جواهر الرجال ،
فربما كان ابتلاؤك لينظر إلى صبرك ، فإن صبرت فربما نقلك إلى محبته .
قال أبو طالب المكي : قال مريد لأستاذه : قد طولعت بشيء من المحبة .
قال : يا بني ، هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرته عليه ؟ قال : لا ! . فلا تطمع في المحبة ، فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبتليه . وقد قال الشافعي : لا يكون التمكين إلا
هامش
( 1 ) ديوانه 402 صادر .