أيام الموسم ، فإذا خرجت الجارية إلى العرض خرج فنظر إليها فسكن ما به ، حتى تحجب .
فبقي على ذلك سنين ينحل ويذوب ، ولم أزل به وألح عليه ، إلى أن حدثني بحديثه وما يقاسيه ، وسأل أن لا أذيع عليه ذلك ، ولا يسمع به أحد .
فرحمته لما يقاسي وما صار إليه ، فدخلت إلى مولى الجارية ولم أزل أحادثه إلى أن خرجت إليه بحديث الفتى وما يقاسي ، وما صار إليه ، وأنه صار على حالة الموت .
فقال : قم بنا إليه حتى أشاهده ، وأنظر حاله . فقمنا جميعا ، ودخلنا عليه ، فلما دخل مولى الجارية ورآه وشاهد ما هو عليه لم يتمالك أن رجع إلى داره ، فأخرج ثيابا حسنة سريّة ، وقال : أصلحوا فلانة ، ولبسوها هذه الثياب ، واصنعوا ما تصنعون بها أيام الموسم ، ففعلوا بها ذلك ، فأخذ بيدها وأخرجها إلى السوق ، ونادى في الناس فاجتمعوا ، فقال : معاشر الناس ، اشهدوا أني قد وهبت جاريتي فلانة لهذا وما عليها ، ابتغاء ما عند اللّه .
ثم قال للفتى : تسلّم هذه الجارية فهي هدية مني إليك بما عليها .
فجعل الناس يعذلونه ويقولون : ويحك ، ما صنعت قد بذل لك فيها الرغائب فلم تبعها ، ووهبتها لهذا ! .
فقال : إليكم عني ، فإني أحييت كل من على وجه الأرض ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
( 32 ) [ المائدة ] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزّاز ، قال : أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أنبأنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني ، قال : أنبأنا المعافى بن زكريا الجريري ، قال : أنبأنا أبو محمد بن أبي الأزهر ، قال : حدثنا حماد بن إسحاق