فلما قضى حياته أتى الرجل الماء ، فأنشد البيتين ، فخرجت بثينة ناشرة شعرها ، شاقّة جيبها ، لاطمة خدّها ، وهي تقول : يا أيها الناعي بفيك الحجر ، أما واللّه لئن كنت كذبتني لقد فضحتني ، وإن كنت صدقتني لقد قتلتني . ثم أنشأت تقول :
وإن سلوّي عن جميل لساعة * من الدهر ما جاءت ولا جاء حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر * إذا متّ بأساء الحياة ولينها
ويقال : إنها لم تقل شعرا غيره .
ومن مستحسن أشعار جميل :
أخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو الحسين التوّزي ، قال : أنبأنا محمد بن الحسن بن المأمون ، قال : حدثنا أبو بكر الأنباريّ ، قال :
قال جميل بن معمر :
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلّما * على عذبة الأنياب طيبّة النّشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة * شكرتكما حتى أغيّب في قبري
وإنكما إن لم تعوجا فإنني * سأصرف وجدي فائذنا اليوم بالهجر
ومالي لا أبكي وفي الأيك نائح * وقد فارقتني شختة « 1 » الكشح والخصر
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه * وأصبر ؟ ما بي عن بثينة من صبر
يقولون مسحور يجنّ بذكرها * وأقسم ما بي من جنون ولا سحر
وأقسم لا أنساك ما ذرّ شارق * وما خبّ آل في ملمّعة قفر « 2 »
وما لاح نجم في السماء معلّق * وما أورق الأغصان من ورق السدر
لقد شغفت نفسي بثين بذكركم * كما يشغف المخمور يا بثن بالخمر
هامش
( 1 ) الشخت : الدقيق الضامر .
( 2 ) الآل : السّراب .