فلم يكن معه شيء ، فخلع حذاءه فدفعه إلى الفقير ، فقلت : لقد كان اللّه أولى بالعذر حيث لم يكن معك شيء .
قال : مه يا وهب ، نسأل اللّه فيعطينا ويسألنا سائل فنردّه ؟ ! ثمّ أنشأ يقول :
إذا ما أتاني سائل قلت مرحبا * بمن حقّه فرض عليّ مؤمّل « 1 »
ومن حقّه حقّ على كلّ فاضل * وما الفضل إلّا للّذي يتفضّل
وللدّهر أيّام وفيه سعادة * وأفضل أيّام الفتى حين يسأل
وللمال حقّ واجب إن بذلته * وللوجه حقّ واجب حين يبذل « 2 »
[ 283 / 25 ] - وقصده أعرابيّ فشكا إليه الحاجة ، فكتب له إلى بعض مواليه : أعطه ألفا ، وتركها مبهمة ؛ لا دراهم ولا دنانير ، فلمّا انتهى المكتوب إليه فقال : امكث هنيهة أسأله ما ذا أعطيك ، فما لبث أن أقبل الحسن عليه السّلام فقام إليه مولاه فقال : يا بن رسول اللّه ، أمرت لهذا الأعرابيّ بألف فما ذا أعطيه ؟
فقال : كلاهما حجران فأعطه أنفعهما له ، فأعطاه ألف دينار ، فقام الأعرابيّ فقبّل قدميه ، فقال الحسن عليه السّلام : أعجبك ما كان منّا ؟ فقال :
لئن كانت الدنيا تعدّ نفيسة * فدار ثواب اللّه أعلى وأجمل
وإن كانت الأموال للتّرك جمعها * فما بال متروك به الخير يبخل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرئ بالسّيف للّه أفضل
وإن كانت الأرزاق قسما مقدّرا * فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل « 3 »
هامش
( 1 ) في نور الأبصار : « معجّل » ، وهي الرواية الأجود .
( 2 ) انظر : نور الأبصار للشبلنجيّ : 177 ، وفي شرح إحقاق الحقّ 11 : 151 و 238 عن كتاب « الكنز المدفون » للسيوطيّ : 434 .
( 3 ) توجد هذه الأبيات في : مناقب آل أبي طالب 3 : 246 وعنه في بحار الأنوار 44 : 374 و 45 : 49 ،