تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الملوك — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
إذا عاديت رجلا فاسقا فلا تعاد كلّ جنسه « 1 » ، واستبق من دونه أحدا فعسى تنتفع به ، فإن السّيف القاتل من جنس الدّرع الواقى . ولا تطمعنّ في الكذوب والمطبوع على الشّرّ ، أن تعطّفهما بالإحسان فإنهما كالقرد : كلّما سمن بإطعام الحلاوة والدّسم ، ازداد وجهه قبحا . قد يردّ الواحد كيد الجميع إذا كان عاقلا ، كما يردّ الظلّ حرّ شعاع الشمس إذا كان وافيا « 2 » . غاية أرمى الناس : ان يقتل بسهمه واحدا ، لكنّ رمية عاقل ذهن تقتل الجيش بأسره ، والملك الشريف العاقل لا يتّقد فيه « 3 » قدح أهل البغى ، من انقطع إليه ولزمه كان كالجوهر المضيء بنوره ، لا تطفئه عصوف « 4 » الرياح . من كان قابلا لما يورد عليه من إصغائه إلى كلّ قول يسمعه ، كان كالسراج يميل به كلّ ريح ليّنة « 5 » ثم لا يلبث أن عصفت الرياح أن يطفأ . تدبير الملك الحازم في سلطانه ، كتعاهد صاحب البستان ببستانه ، يخرج ناحل عيدانه وشوك شجره ، فيحيط به على ثمره وزرعه ، ليقيه من الشّرّ والفساد ، كما ينتخب الملك أهل الشكيمة « 6 » والشوكة فيجعلهم في أقاصيه وحدوده ردءا للمملكة « 7 » . وليكن الملك أحذر ما يكون ، آمن ما يكون . قلت : وقد صدق الشاعر :
أأمنتم ريب المنون فنمتم * فلربّ خوف مكمن في أمان « 8 »
هامش
( 1 ) هكذا في ( خ ) وهو الأولى ، وفي ( ط ) : [ إذا عاديت رجلا فلا تعاد جنسه ] . ( 2 ) في ( خ ) إذا كان واقيا . ( 3 ) لا يتّقد فيه : لا يؤثر فيه ، وفي ( خ ) [ لا ينفذ فيه ] . ( 4 ) عصفت الريح : اشتدت . ( 5 ) الريح اللينة : الضعيفة . ( 6 ) ذو الشكيمة : الأنف الأبيّ القوى الذي لا يقتاد . ( 7 ) ردءا للمملكة : مدافعا وداعما وناصرا لها . ( 8 ) ورد هذا البيت في وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمة الوزير يعقوب بن كلّس الذي كان يهوديا وخدم كافور الإخشيدي ثم أسلم وسار للمغرب وصار وزيرا للمعز الفاطمي ثم اعتقله ثم أطلق سراحه ، قال : وجدت رقعة في داره سنة 380 ه ونسختها :احذروا من حوادث الأزمان * وتوقّوا طوارق الحدثانقد أمنتم من الزمان ونمتم * رب خوف مكمن في أمانفلما قرأها قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، واجتهد أن يعرف كاتبها فلم يقدر على ذلك ( وفيات الأعيان ، ابن خلكان 7 / 32 ) .