تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الملوك — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
كما يسوّى المطربين كل أكمة « 1 » مشرفة وغائط مستفل « 2 » ، ويغمر كلا من مائة بقدر حبة ، ثم يستجبى الملك في الثمانية الأشهر حقوقه من غلّاتهم وخراجهم ، كما تسخّن الشّمس بحرّها وشدة فعلها ، نداوة الغيث والأمطار ، في الأربعة الأشهر . وأما شبه الريح : فإنّ الريح لطيفة المداخل ، تسرح في جميع المنافذ حتى لا يفوتها مكان ، كذلك الملك ، ينبغي أن يتولّج قلوب الناس بجواسيسه وعيونه ، لا يختفون عنه بشيء حتى يعرف ما يأتمرون به في بيوتهم وأسواقهم ، وكالقمر إذا استهل أيامه ، فأضاء واعتدل نوره على الخلق وسرّ الناس بضوئه ، ينبغي أن يكون الملك ببهجته وزينته ، وإشراقه في مجلسه ، وإيناسه رعيته ببشره ، فلا يخصّ شريفا دون وضيع بعدله . وكالأرض : في كتمان السر ، والاحتمال ، والصبر ، والأمانة . وكالنار : على أهل الدعارة والفساد . وكعاقبة الموت في الثواب والعقاب ، يكون ثوابه ، لا يقصّر عن إقامة حد ولا يتجاوزه . وكالماء : في لينه لمن لاينه ، وهدمه وإقلاعه عظيم الشّجر لمن حاربه . واعلم : أنه قد يكتنف السلطان « 3 » من شرار الناس والأعوان - على الحاجة إليهم - من يستبشع ويستكره ، كالحيات تكتنف بالصّندل « 4 » فيقتلها الصّندل بطيب رائحته وبرده ويبسه ، وينتفع الصّندل بها ، إذ لا يقرب منه من يريد أن يقطعه . ليكن فيك مع تلطّفك تشديد البلاء ، فلا يتجرّأ عليك ، فإنّ القمر يستنار بضوئه ويظهر له ، لكنّ الشمس يستظلّ من حرّها ويسكن لها ، وقد قالت العرب في مثل هذا : ( لا تكن حلوا فتسترط « 5 » ولا مرّا فتلفظ ) . اجعل لكل طبقة من أعدائك ، أشباههم من أعوانك يسوسونهم ، فإنّهم كالماء في الأذن ، لا حيلة في إخراجه إلا بأرفق من الماء الذي هو من جنسه .
هامش
( 1 ) الأكمة : التل أو الموضع الذي يكون أكثر ارتفاعا . ( 2 ) الغائط المستفل : المنخفض من الأرض . ( 3 ) يكتنف السلطان : يحيط به . ( 4 ) تكتنف الصندل : تحتمي به ، والصندل : شجر طيب الرائحة . ( 5 ) يسترط الشيء : يبتلعه .