إلى معرفة كنهه أو تفسيره ، ومما لا يزال يكتنفه الغموض ؛ فإننا لا نريد أن نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه الأقدمون ، عندما اتخذوا آلهة لكي يجدوا تفسيرا لما غمض عليهم . وحددوا لكل إله قدرته ، وعينوا له وظيفته ودائرة تخصصه .
وعندما تقدمت العلوم ، وأمكن فهم كثير من الظواهر الغامضة ، ومعرفة القوانين التي تخضع لها ، لم يعد هؤلاء الناس في حاجة إلى الآلهة التي أقاموها ، بل إن كثيرا من البشر أنكروا وجود اللّه لنفس هذا السبب .
والواجب أن نتلمس قدرة اللّه في النظام الذي خلقه ، والقوانين التي أخضع لها جميع الظواهر والأشياء ، فقد يستطيع الإنسان أن يفسر ما كان غامضا عليه باكتشاف القوانين التي تحكمها ، ولكن الإنسان عاجز عن أن يسن تلك القوانين ، فهي من صنع اللّه وحده ، ولا يفعل الإنسان أكثر من أن يكتشفها ، ثم يستخدمها في محاولة إدراك أسرار هذا الكون .
وكل قانون يكتشفه الإنسان يزيده قربا من اللّه ، وقدرة على إدراكه « 1 » ) .
ففي قوله :
( إن كثيرا من الناس أنكروا وجود اللّه لنفس هذا السبب ) .
يعنى أن فرض الأقدمين وجود آلهة لتفسير ما غمض عليهم من أسرار الكون ، قد طوح به اكتشاف الإنسان لهذه الأسرار ، وللقوانين التي تحكمها ، فلم يعد بهم حاجة إذن إلى الاعتقاد في وجود الآلهة ، التي لم يكن وجودها إلا فرضا دعت إليه ضرورة الحاجة إلى تفسير بعض الظواهر الكونية التي لم يصل الإنسان إلى تفسيرها التفسير العلمي . فلما وصلوا إلى تفسيرها تفسيرا علميا أنكروا وجود الإله .
ويرد « بوهلر » على من ينكرون وجود اللّه لهذا السبب بقوله :
[ فقد يستطيع الإنسان أن يفسر ما كان غامضا عليه باكشاف القوانين التي تحكمها ، ولكن الإنسان عاجز عن أن يسن تلك القوانين ] .
يعنى أن اكتشاف القوانين التي تفسر ما كان غامضا من ظواهر الكون ، لا يصلح سببا لإنكار وجود الإله ؛ لأن القوانين إذا فسرت الظواهر ؛ فلم تعد الظواهر بحاجة إلى إله تسند إليه ، فإن القوانين التي فسرت الظواهر ، تتطلب
هامش
( 1 ) ص 104 كتاب ( اللّه يتجلى في عصر العلم ) .