ونحن لا نقصد من ذلك أن الأدلة الجديدة لازمة . أو لا غنى عنها ؛ فقد كان في الإثباتات القديمة ما يكفى لإقناع أي إنسان يستطيع أن ينظر إلى الموضوع نظرة مجردة عن الميل أو التحيز .
وأنا بوصفى ممن يؤمنون باللّه أرحب بهذه الأدلة الجديدة لسببين :
فهي ، أولا : تزيد معرفتنا بآيات اللّه وضوحا .
وهي ، ثانيا : تساعد على كشف الغطاء عن أعين كثير من صرحاء الشكيين حتى يسلموا بوجود اللّه .
لقد عمت بلادنا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين ، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا .
ولا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون ، قد لعبت دورا كبيرا في هذه العودة إلى رحاب اللّه ، والاتجاه إليه .
وطبيعي أن البحوث العلمية التي أدت إلى هذه الأدلة لم يكن يقصد من إجرائها إثبات وجود الخالق .
فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة ، واستغلال قواها ، وهي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى ، فهذه من المشكلات الفلسفية ، والعلوم لا تهتم إلا بمعرفة كيف تؤدى الأشياء وظائفها ، وهي لا تهتم بمعرفة من الذي جعلها تعمل أو تؤدى هذه الوظائف .
ولكن كل إنسان - حتى أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الطبيعية - لديه ميل أو نزعة نحو الفلسفة .
ومما يؤسف له أن المرموقين من العلماء ، ليسوا دائما من الفلاسفة الممتازين ، فقليل منهم هم الذين يفكرون في أمور النشأة الأولى .
وقد يعتقد بعضهم أن هذا الكون هو خالق نفسه ، على حين يرى البعض الآخر أن الاعتقاد في أزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد في وجود إله أزلي .
ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي الأخير ، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون
ميزان العمل — صفحة 57
مساهمون: الغزالي
ص٥٧