المعروفة ، ويدخل إلى معمله يحدوه الأمل ويمتلئ قلبه بالإيمان .
ومعظم رجال العلم يقومون بأعمالهم حبا في المعرفة ، وفي الناس ، وفي اللّه .
حقيقة إن رجل العلوم يستخدم فكرة الآلية بوصفها إحدى وسائله وأدواته .
فهو يتكلم مثلا عن آلية العلم ولكنه يجرى بحوثه على أساس :
مبدأ السببية .
مبدأ السببية والنتيجة .
على أساس وحدة الكون وما يسوده القانون والنظام
وهو كأي إنسان آخر يتخذ كل قرار .
ويفكر في كل أمر ، على أساس الإيمان بمبدأ السببية . 55
هذا هو العلم ، وهؤلاء هم رجاله يتكلمون عن أنفسهم ويكذبون ما يشيعه الناس عنهم جهلا بحقيقة أمرهم ، أو رغبة في تزييف الحق ، وترويج الباطل . 56
العلم غايته وصفية ، والفلسفة غايتها تعليلية ، فإذا انتقل العالم من الوصف إلى التعليل صار فيلسوفا بعد أن كان عالما ، ولا يستغنى العلم عن التعليل ، وإلا صار شيئا تافها ساذجا ، فالفلسفة غاية العلم ونهايته . 56
« إدوارد لوثركيل » يقول ( أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود اللّه ، زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية .
ونحن لا نقصد من ذلك أن الأدلة الجديدة لازمة ، أو لا غنى عنها . فقد كان في الإثباتات القديمة ما يكفى لإقناع أي إنسان يستطيع أن ينظر إلى الموضوع نظرة مجردة عن الميل أو التميز .
وأنا بوصفى ممن يؤمنون باللّه أرحب بهذه الأدلة الجديدة لسببن فهي :
أولا : تزيد معرفتنا بآيات اللّه وضوحا .
وثانيا : تساعد على كشف الغطاء عن أعين كثير من صرحاء الشكيين حتى يسلموا بوجود اللّه .
لقد عمت بلادنا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين ، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا .
ولا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون ، قد لعبت دورا كبيرا في هذه العودة إلى رحاب اللّه ، والاتجاه إليه .
وطبيعي أن البحوث العلمية التي أدت إلى هذه الأدلة لم يكن يقصد من إجرائها إثبات وجود الخالق .
فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة ، واستغلال قواها ، وهي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى فهذه من المشكلات الفلسفية . والعلوم لا تهتم إلا بمعرفة كيف تؤدى الأشياء وظائفها .
وهي لا تهتم بمعرفة من الذي جعلها تعمل أو تؤدى هذه الوظائف .
ولكن كل إنسان - حتى أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الطبيعية - لديه ميل أو نزعة نحو الفلسفة .
ومما يؤسف له أن المرموقين من العلماء ليسوا دائما من الفلاسفة الممتازين ، فقليل منهم هم الذين يفكرون في أمور النشأة الأولى .
وقد يعتقد بعضهم أن الكون هو خالق نفسه ، على حين يرى البعض الآخر أن الاعتقاد في أزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد في وجود إله أزلي .
ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي الأخير
ميزان العمل — صفحة 424
مساهمون: الغزالي
ص٤٢٤