تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
التي تحدد سلوكها قد ظهرت معها في الوقت نفسه . ومن المنطق السليم أن يكون السبب الأول الذي أوجد هذه الجزئيات هو الذي أودع فيها صفاتها التي تحدد سلوكها . ولا بد أن نسلم بأن قدرة الخالق وتدبيره وإحكامه تفوق قدرة وتدبير الإنسان ، بل البشر جميعا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وإن أذكى العلماء لا يستطيعون إلا أن يعترفوا بأن الإنسان لا يزال حتى اليوم في مهد معرفته بأسرار هذا الكون وظواهره . فإذا انتقلنا إلى العالم العضوي فإننا نلاحظ أن سلوكه يزداد تعقيدا . وعلى ذلك فإن احتمال تفسير هذا السلوك على أساس المصادفة المحض يتضاءل إلى حد لا نهائي . فالمواد الأساسية التي تدخل في بناء المواد العضوية هي : الإيدروجين ، والإكسوجين ، والكربون ، مع كميات قليلة من النتروجين ، والعناصر الأخرى ، ولا بد أن تجتمع ملايين من هذه الذرات حتى تتكون أبسط الكائنات الحية . فإذا نظرنا إلى الأنواع الأخرى التي هي أكبر حجما ، وأشد تعقيدا ، فإن احتمال تآلف ذراتها على أساس المصادفة المحض يقل إلى درجة لا يتصورها العقل . وإذا نظرنا إلى الكائنات الحية الراقية ؛ فإننا نرى أن من بينها ما لديه من الذكاء ما يجعله قادرا على التخطيط والابتكار والقيام بأعمال تقرب من حد الإعجاز وتحاول أن تتغلب على القوانين الطبيعية . فإذا تصورنا أن كل ذلك يتم بمحض المصادفة التي تجعل الجزئيات تجتمع بصورة معينة لكي تكون ذرات يتآلف بعضها مع بعض لكي تكون أجساما تقوم بدورها بالتكاثر وأداء وظائف سائر الحياة ، ويكون لها عقل وتفكير ، دون أن يكون وراء كل ذلك إله مدبر هو الذي خلق فصور فأبدع ، فإن ذلك لا يقبله عقل ، أو يتصوره فكر . وحتى إذا فعلنا ذلك فإننا نكون قد أخذنا بفرض مستحيل من الوجهة العملية وطرحنا وراء ظهورنا فرضا منطقيا بسيطا ألا وهو وجود اللّه الذي أنشأ هذا الكون وبدأه بقدرته فاللّه هو المبدئ ) . 46 « جون أودلف بوهلر » يقرر ( أن الإنسان يشاهد التنظيم والإبداع حيثما ولى وجهه في نواحي هذا الكون . ويبدو أن هذا الكون يسير نحو هدف معين كما يدل على ذلك النظام الذي نشاهده في الذرات . فهنالك نظام معين تتبعه الذرات جميعا من « الإيدروجين » إلى « اليورانيوم » وما بعد « اليورانيوم » وكلما ازداد علمنا بالقوانين التي تتحكم في توزيع « البروتونات » و « الألكترونات » لإنتاج العناصر المختلفة ، ازداد إيماننا بما يسود عالم المادة من توافق ونظام . وقد يجئ اليوم الذي ينكشف لنا فيه كيف تتجمد الطاقة لكي تكون تلك الكتل من المادة . ولقد كان « آينشتين » أول من أظهر العلاقة الموجودة بين المادة والطاقة . ولا يزال الإنسان في بداية الطريق لكشف أسرار الطاقة الذرية . وقد نستطيع في يوم من الأيام أن نحول الطاقة إلى مادة . وتدل الشواهد على وحدة الكون من الوجهة الكيموية .
ميزان العمل — صفحة 421 | الغزالي / سليمان دنيا