لا بد أن يكون لهذا الكون بداية كما أنه لا بد أن يكون قد وضع تبعا لتصميم معين ونظام مرسوم وأيدت دراسة الحرارة هذه الآراء ، وساعدتنا على التميز بين :
الطاقة الميسورة .
والطاقة غير الميسورة
وقد وجدت أنه عند حدوث أي تغييرات حرارية ؛ فإن جزءا معينا من الطاقة الميسورة يتحول إلى الطاقة غير الميسورة ، وأنه لا سبيل إلى أن يسير هذا التحول في الطبيعة بطريقة عكسية .
وهذا هو القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية .
وقد اهتم « بولتزمان » بتمحيص هذه الظاهرة واستخدم في دراستها عبقريته ومقدرته الرياضية ، حتى أثبت أن فقدان الطاقة الميسورة الذي يشير إليه القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية ، ليس إلا حالة خاصة من ظاهرة عامة تشير إلى أن كل تحول أو تغير طبيعي يصحبه تحلل أو نقص في النظام الكوني .
وفي حالة الحرارة يعتبر تحول الطاقة من الصورة الميسورة إلى الصورة غير الميسورة فقدانا أو نقصا في التنظيم الجزئي ، أو بعبارة أخرى تفتتا وانحلالا للبناء .
ومعنى ذلك بطريقة أخرى أن الطبيعة لا تستطيع أن تصمم أو تبدع نفسها ؛ لأن كل تحول طبيعي لا بد أن يؤدى إلى نوع من أنواع ضياع النظام أو تصدع البناء .
وفي بعض الحالات قد يسير النظام من البسيط إلى المركب ولكن ذلك لا يتم إلا على حساب تصدع أكبر للتنظيم والترتيب في مكان آخر .
إن هذا الكون ليس إلا كتلة هائلة تخضع لنظام معين ولا بد له إذن من سبب أول لا يخضع للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية ، ولا بد أن يكون هذا السبب الأول غير مادي في طبيعته . إنه هو اللطيف الخبير الذي لا تدركه الأبصار . 46
« أدوين فاست » يقول ( عندما تحاول العلوم أن تفسر لنا منشأ الكون نجدها تبين لنا في ضوء ما لدينا من المعلومات عن الطبيعة النووية كيف تتفاعل الجزئيات الأساسية لكي تكون لنا جميع العناصر المعروفة .
فجميع العناصر التي يتألف منها هذا الكون تبدأ « بروتونات » لها خواص معينة وقوة جاذبة تجعلها ينضم بعضها إلى بعض .
أما كيف نشأت هذه البروتونات ولماذا كان لها هذه الصفات بالذات فإن ذلك ما لم تستطع أن تقدم له العلوم شرحا أو بيانا .
ومهما بالغنا في تحليل الأشياء وردها إلى أصولها الأولى فلا بد أن نصل في نهاية المطاف إلى ضرورة وجود قوانين طبيعية تخضع لها ذرات هذا الكون .
ويعد ذلك في ذاته دليلا على وجود إله قادر مدبر هو الذي قدّر لكل ظاهرة من ظواهر هذا الكون أن تسير في طريقها المرسومة .
وقد خلق اللّه « الألكترونات » و « البروتونات » و « النترونات » . وجعل لها خواصها المعينة فرسم لها بذلك سلوكها وأقدارها .
وعندما تحاول عقولنا المحدودة أن ترتد إلى الوراء ، وتبحث عن ساعة الصفر في تاريخ هذا الكون ، نجدها تسلم ضمنا بأن لهذا الكون بداية ولحظة معينة نشأت فيها الذرات الدقيقة التي تتألف منها مادة هذا الكون .
ولا بد أن تكون خواص هذه الجزئيات
ميزان العمل — صفحة 420
مساهمون: الغزالي
ص٤٢٠