زال الجوع وامتلأت المعدة ، كره عين ما اشتهاه ، كمن يشتهى القعود في الشمس لينال الحر حتى يتلذذ بالرجوع إلى الظل ، وكمن يشتهى الحبس في حمام حار ؛ ليدرك لذة ماء الثلج إذا شربه ، وهو عين الرقاعة والخرق .
* * * وإن كان ذلك على ما يخلفه من ماله ، فهو بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها ، بالإضافة إلى الملك الكبير ، والنعيم المقيم الموعود للمتقين .
وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد الموت فعليه أن يطلب العلم الحقيقي الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته ، قال حارثة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
[ كأني أنظر إلى عرش ربى بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل النار يتلاعنون فيها ]
وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها ، ووجه علاقتها بالبدن ، ووجه خاصيتها التي خلقت لها ، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله ، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله .
وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة ، وأمر بالتفكر في النفس ، كما أمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض .
* * * وإن كان ذلك لما سبق من عصيانه ، فلا ينفع الغم فيه ، بل المداواة وهي المبادرة إلى التوبة ، وإصلاح ما فرط من أمره .
بل مثاله في الاغتمام وترك التدارك مثل من فتح عرق من عروقه وقد خرج بعض دمه وهو قادر على تعصيبه وحفظ حشاشه ،
ميزان العمل — صفحة 395
مساهمون: الغزالي
ص٣٩٥