ومن ذكر الموت تتولد القناعة بما رزق ، والمبادرة إلى التوبة وترك المحاسدة ؛ والحرص على الدنيا ، والنشاط في العبادة .
وينبغي أن يكون المتراخى عن عبادته أن لا يصبح يوما إلا ويقدر أنه سيموت تقديرا للموت العاجل ؛ فإنه ممكن .
ومهما قدر الموت بعد سنين لم يحرص على العبادة ، ولم تغتر رغبته في الدنيا ، بل ينبغي أن يهمل نفسه أكثر من يوم ، فيصبح كل يوم على تقدير الاستعداد للرحلة نهارا .
فكل من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كل ساعة ، فينبغي أن يكون مستعدّا للإجابة ؛ فإن لم يكن فربما يأتيه الرسول وهو غافل ، فيحرم من السعادة .
وما من وقت إلا ويرى فيه الموت ممكنا .
فإن قلت : الموت فجأة بعيد .
قلت : فإذا وقع المرض ، فالموت غير بعيد ، وذلك يمكن في أقل من يوم ولا يكون بعيدا .
* * * وأما الاغتمام لأجل الموت فليس من العقل أيضا ؛ فإن ذلك الغم لا يخلو من أربعة أوجه :
إما لشهوة بطنه وفرجه .
وإما على ما يخلفه من ماله .
وإما على جهله بحاله بعد الموت ومآله .
وإما لخوفه على ما قدمه من عصيانه .
* * * فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه ، فهو كمشتهى داء ليقابله بداء مثله ؛ فإن معنى لذة الطعام إزالة ألم الجوع ، ولذلك إذا
ميزان العمل — صفحة 394
مساهمون: الغزالي
ص٣٩٤