ولم يك هناللك مناص للغزالي - وهو رائد من رواد الحقيقة - من أن ينصف علم الكلام ، فيبين أن ما ذكره عن هدفه ، وعن وسيلته ، لا يمثل إلا طورا من أطوار علم الكلام ، وأن لهذا الطور تابعا ، أو توابع لحقته ، قال :
[ نعم لما نشأت صنعة الكلام ، وكثر الخوض فيه ، وطالت المدة ، تشوف المتكلمون إلى مجاوزة الذب عن السنة ، إلى البحث عن حقائق الأمور ، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض ، وأحكامهما ]
ويبدو أن هذا الطور يتسم بالنضج والأصالة في البحث ، يحلان محل السطحية التي كانت طابع الطور الأول ، وما دام علم الكلام وعلماؤه ، قد شاقهم البحث عن حقائق الأمور ، وعن الجواهر والأعراض وأحكامها ، فقد التقى
مقصود علم الكلام ، ومقصود علمائه .
فلم لا يصلح علم الكلام الآن ، هاديا ومرشدا للغزالي ؟ يجيب الغزالي عن ذلك بأن علم الكلام في طوره الجديد ، لم يكن قد اكتمل له من وسائل النضج والكمال ، ما يجعله قادرا ، في فترة الحيرة التي كان يعيشها الغزالي ، على أن يقدم له يد المعونة والمساعدة ؛ لأنها كانت تجربة ما تزال جديدة في حياة علم الكلام ؛ ولذلك يقول الغزالي :
[ ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق ]
ويريد الغزالي ، وقد انتهى إلى الحكم على علم الكلام بعدم الصلاحية لمواجهة مشكلته التي لا يحلها إلا الحصول على علم صفته أنه :
[ ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريبة ولا يقارنه إمكان الغلط ، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه من :
يقلب الحجر ، ذهبا
والعصا ، ثعبانا .
لم يورث ذلك شكّا وإنكارا ؛ فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة ، فلو قال لي قائل :
ميزان العمل — صفحة 24
مساهمون: الغزالي
ص٢٤