ولذلك يقول الغزالي في « التهافت » عقيب هذه الفقرة مباشرة : [ وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل بمسالك البراهين ، ووجه ترتيب المقدمات ، على أشكال المقاييس ، ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك بمسالك عقلية .
وقد بان عجزكم ، وتهافت مسالككم ، وافتضاحكم في دعوى معرفتكم .
وهو المقصود من هذا البيان
فأين من يدعى أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات ؟ ]
فمن هذه المقارنة العاجلة بين منهج علماء الكلام ، ومنهج الفلاسفة ، تتضح مهمة علماء الكلام ، التي تقوم على صيانة ثروة وصلت إليهم أكثر مما تقوم على خلق ثروة جديدة وهذا هو الفرق بين علماء الكلام والفلاسفة .
الفلاسفة يحاولون أن يخلقوا
وعلماء الكلام ليس من مهمتهم أن يخلقوا ،
ويوضح الغزالي مهمة علماء الكلام في كتابه « المنقذ من الضلال » الذي رسم فيه مراحل خطواته في تعقب الحقيقة إيضاحا أكثر تحديدا مما ذكره في « التهافت » قال :
[ ثم إلى ابتدأ بعلم الكلام - أي بعد أن شفاه اللّه من مرض الشك ، وأعاد إليه الوثوق بالضرورة العقلية - فحصلته وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف ]
ثم ما ذا ؟ ما ذا نتوقع أن يكون بين الغزالي وبين علم الكلام ، بعد أن عرفنا أن « الغزالي » لا يريد أن يرث ثروة ، وإنما يريد أن يكسب ثروة ، يريد أن يحصلها بنفسه ، وأن يعرف مصدر كل جزء منها ، معرفة تقرها الضرورة العقلية ، التي لا سبيل له في حالته الراهنة إلى أن يقبل شيئا على غير هداها .
لذلك لا ينبغي أن يفاجئنا ما يعلنه الغزالي في غير خفاء ولا مواربة ، من عدم إمكان الالتقاء بينه وبين علم الكلام :
[ . . . فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودى ] « 1 »
ولما كان مقصود « الغزالي » قد اتضح فيما قص علينا من أمر نفسه سابقا ، قصصا
هامش
( 1 ) هذا النص يأتي بعد النص السابق مباشرة ، المقتبس من « المنقذ من الضلال » .