وإذا فرضنا مرآة صدئت ، قد ستر الخبث صفاءها ، ومنع انطباع صورنا فيها .
فكمال المرآة أن تستعد لقبول الصور فتحكيها كما هي عليها .
وعلى مكملها وظيفتان :
إحداهما : الجلاء والصقل ، وهي إزالة الخبث الذي ينبغي أن لا يكون .
والثانية : أن يحاذى بها نحو المطلوب - حكاية صورته .
فكذلك نفس الآدمي ، مستعدة لأن تصير مرآة يحاذى بها شطر الحق في كل شئ ، فتنطبع بها كأنها هو من وجه ، وإن كانت غيره من وجه آخر ، كما في الصورة والمرآة .
وكمالها في مثل هذه الدرجة .
وهذه الخاصة هي التي فارقت بها ما تحتها من الحيوانات ؛ إذ هذا الاستعداد مسلوب عن الحيوانات كلها ، سوى الآدمي بالقوة والفعل جميعا .
كما انسلب عن التراب والخشب الاستعداد لحكاية الصور ، وأن يكون مرآة لها .
وهو موجود بالفعل أبدا للملائكة لا يفارقها ، كما أنه موجود للماء الصافي ؛ فإنه يحكى الصورة بطبعه ، حكاية مخصوصة وهو موجود للآدمى بالقوة لا بالفعل .
فإن جاهد نفسه التحق بأفق الملائكة وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة النفس ، باتباع الشهوات ، اسود قلبه ، وتراكمت ظلمته ، وبطل بالكلية استعداده ، والتحق بأفق البهائم ، وحرم سعادته وكماله ، حرمانا أبديا ، لا تدارك له .
فإذن العمل ، معناه كسر الشهوات بصرف النفس عن
ميزان العمل — صفحة 218
مساهمون: الغزالي
ص٢١٨