ثم إلى الأعضاء الآلية ، التي أعدت للنفس ، ولجذب الطعام ثم لهضمه ، ثم لدفعه ، وإلى الآلات التي خلقت للتناسل .
ورأيت العجائب في خدمة بعضها بعضا بالضرورة .
ثم بعد فراغك من تشريح الأجسام ، نظرت في تفصيل قوى تلك الأجسام ، واستقصيته بمعرفة حقائق العلوم الطبيعية ، لقضيت منها آخر العجب .
فتغسا لمن كفر باللّه ، وغفل عن قوله :
[ وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ]
بل في كل شئ دليل على أنه واحد .
ومن لم يؤمن باللّه على الجملة ، فليس من العقلاء . وهو أخس من أن يخاطب بمثل هذه الكلمات .
وإنما كلامنا مع من صدق بالجملة ، فندعوه إلى البحث عن صنع اللّه ليزداد بسببه يقينه وإيمانه ، ويتفاقم به تعظيمه وإجلاله .
فكل ما لا يدرك بالحواس وإنما يدرك بالعقل بواسطة آثاره ، فسبيل استقصاء معرفته ، استقصاء النظر في آثاره .
بل نضرب مثالا يقرب من فهم الخلق كافة .
فما من فقيه إلا وقد اعتقد في المذكورين من العلماء ، مثل أبي حنيفة والشافعي ، وغيرهما ، رتبة تتقاضاه التعظيم .
وهذا يشترك فيه الخلق ، ولكن ليس من يتصفح تصنيف مصنف فيرى فيه عجائب صنعه ، وبدائع حذقه ، يبقى اعتقاده في التعظيم على ما كان عليه قبل معرفته ، بل لا يزال يطلع على صفة غريبة له في كلامه وتصنيفه أو شعره ، وتزداد نفسه له تعظيما وتوقيرا واعتقادا .