فمن عرف أن اللّه صانع العالم كمن عرف أن زيدا متميز عن غيره بكونه ناظم ديوان ، ومصنف كتاب .
وأين هذا من اعتقاد من تصفح الشعر فرأى فيه عجائبه ، وطالع التصنيف ، وهو من أهل الفضل ، فرأى فيه غرائبه .
فهذا يعتقد عظمته ورتبته اعتقادا راسخا عن تحقيق وبصيرة .
والآخر يعتقد اعتقادا مجملا ضعيفا غير مدرك بالبصيرة والتحقيق .
* * * وهذا فرق بين رتبة العوام ،
وذوى البصائر ،
في هذا الأمر الواحد .
والعالم بما فيه من العجائب تصنيف اللّه وتأليفه ، وإبداعه واختراعه .
والنفس جزء من أجزاء العالم .
وكل جزء من أجزاء العالم ، مشحون بالعجائب .
فلا يزال الباحث عنها مستفيدا زيادة اعتقاد ، وتأكيد إيمان .
ولذلك حث اللّه على التفكر في الأنفس والآفاق ، وملكوت السماوات والأرض « 1 » .
هامش
( 1 ) ولذلك لما نزل قوله تعالى :( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ . )قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها ) .
فاللّه جل شأنه قد نصب الآيات في الأنفس والآفاق ، وحث على النظر فيها ؛ كي لا يكون للجاحدين عذر يتذرعون به ، في إنكار وجود اللّه .
وما أشد دهشتي من هؤلاء الجاحدين يتذرعون لجحودهم بأنهم لا يرون اللّه فكيف يعترفون به ، ويخونهم منطقهم فيقول زعيم من زعمائهم : « إن هناك نوعا من الفيران لا يرى الشمس ، ويعتقد أن ليس هناك شمس ، ولكن الشمس موجودة » .
وإن وجود اللّه لهو أثبت من الشمس عند العقلاء الذين لا يجوزون أن تكون المادة الجامدة الميتة هي مصدر هذه الكائنات الحية العاقلة - كما يقول المذهب المادي - فليس يصلح عدم اعتراف المعاندين بوجود اللّه ، دليلا على عدم وجوده في ذاته كما لم يدل عدم رؤية الفيران للشمس على أنها غير موجودة .