وأما العمل فلسنا نعنى به إلا رياضة الشهوات النفسانية ، وضبط الغضب ، وكسر هذه الصفات ، لتصير مذعنة للعقل ، غير مستولية عليه ، ومستسخرة له ، في ترتيب الحيل الموصلة إلى قضاء الأوطار .
فإن من قهر شهوته ، فهو الحر على التحقيق ، بل هو الملك ؛ ولذلك قال بعض الزهاد لبعض الملوك :
[ ملكي أعظم من ملكك ]
فقال : كيف . . . ؟
فقال : [ من أنت عبده ، عبدي ]
وأراد به أنه عبد شهواته ، وشهواته صارت مقهورة له .
فعبد الشهوات العاجز عن كسرها وقهرها ، رقيق وأسير بالطبع ، لا يزال في عناء دائم ، وتعب متواتر ، إن قضى وطره يوما ، عجز عنه أياما .
ثم لا يخلو في قضائه عن أخطار وعلائق ومشاق ، ويضطر إلى تقلدها .
فتقليل الشهوات تقليل لأسباب الغموم .
ولا سبيل إلى إماطتها إلا بالرياضة والمجاهدة .
وهو المراد بالعمل .
فإذن العالم العامل أحسن الناس حالا ، عند من رأى السعادة مقصورة على الدنيا ؛ فإن الدنيا ليست تصفو لأحد ، وليس يفي جدواها بمشاقها .
ميزان العمل — صفحة 192
مساهمون: الغزالي
ص١٩٢