على التأييد بالمعجزة ، وغلب على ظنك كذبه ، كما غلب على ظنك الآن كذب الأنبياء كلهم .
ولكن جوزت مع ذلك صدقه ، وعلمت :
أنه ليس في أكله إلا التلذذ بطعمه وحلاوته ، وقت الذوق .
وإن كان مسموما ففيه الهلاك .
فعقلك أيضا يشير عليك ، باجتناب الخطر ، إن كنت من زمرة العقلاء .
ولهذا قال علىّ رضى اللّه تعالى عنه - لمن كان يشاغبه ويمار في أمر الآخرة - :
[ إن كان الأمر على ما زعمت ، تخلصنا جميعا .
وإن كان الأمر كما قلت ، فقد هلكت ونجوت ]
ولا أينبغي أن تظن أن هذا تشكيك منه في اليوم الآخر ، ولكنه زجر على حد جهل المخاطب القاصر عن معرفة ذلك بطريق البرهان ، وهو الذي جرأنا على سلوك هذا المنهاج ، ليسهل تأمله على أهل البطالة والتقصير في الطاعة للّه تعالى .
وقد تبين على القطع أن العظيم الهائل ، إن لم يكن معلوما ، فبالاحتمال يتقدم على اليقين المستحقر .
لأن كون الشئ مستحقرا ، أو عظيما ، بالإضافة .
فلننظر إلى منتهى العمر وما يصفو من الدنيا للمترفهين ، وتيسر إلى ما اعتقده الفرق الثلاث ، من كمال السغادة الأخروية ، ودوامها .
وتعرّف بالبديهة استحقار ما ترك من الدنيا ، في عظيم ما يعتاض عنها ، بالإضافة إليها .
* * *
ميزان العمل — صفحة 189
مساهمون: الغزالي
ص١٨٩