فالممعن في اتباع الشهوات ، والمعرض عن النظر في المعقولات شقى في الدنيا باتفاق .
وشقى في الآخرة ، عند الفرق الثلاث ، إلا عند شرذمة من الحمقى لا يؤبه لهم ، ولا يعبأ بهم ، ولا يعدون في زمرة العقلاء رأسا .
* * * فقد تبين أن الاستعداد للآخرة ، بالعلم والعمل ، ضروري في العقل .
وأن المقصر فيه جاهل .
فإن قلت : فما بال أكثر الناس مقصرين فيه ، وهم مؤمنون بالآخرة ؟
فاعلم : أن سبب ذلك ، الغفلة عن التفكر في هذه الأمور التي ذكرناها ؛ فإن تلك الغفلة مطردة عليهم ، مستغرقة لأوقاتهم ، لا ينتهون عنها ما دامت الشهوات متوالية ، وهي كذلك وإنما المنبه عليها واعظ زكى السيرة ، وقد خلت البلاد عنه .
وإن فرض على ندور ، لم يلتفت إليه .
وإن التفت إليه ، ووقع الإحساس به في الحال ، وحسن العزم على التجرد للطاعة في الاستقبال ؛ هجمت عقب ذلك شهوة من الشهوات ، وأزالت أثر التنبيه ، وأعادت حجاب الغفلة ، وعاد العاقل لما نهى عنه .
ولا يزال هكذا شأن كل واحد ، إلى الموت . وعند ذلك لا يبقى له إلا التحسر بعد الفوت . ولا يغنى ذلك عنه شيئا .
فنعوذ باللّه من الغفلة ؛ فإنها منشأ كل شقاوة .
ميزان العمل — صفحة 193
مساهمون: الغزالي
ص١٩٣