أما العلم فليس يخفى دوام العز به ؛ إذ لا يقبل العزل والإبطال ، بعزل الولاة وإبطالهم .
ولا يخفى لذة العالم في علمه ، وفيما ينكشف له في كل لحظة من مشكلات الأمور ، لا سيما إذا كان في ملكوت السماوات والأرض ، والأمور الإلهية .
وهذا لا يعرفه من لم يذق لذة انكشاف المشكلات .
ثم إنها لذة لا نهاية لها ؛ لأن العلوم لا نهاية لها ، ولا مزاحمة فيها ؛ لأن المعلومات تتسع للطلاب ، وإن كثروا ، بل استئناس العالم يزيد بكثرة شركائه ، إذا كان يقصد ذات العلم ، لا حطام الدنيا ورياستها « 1 » .
فإن الدنيا هي التي تضيق بالمزاحمة ، بل يزداد سعة بكثرة الطلاب .
ثم مع أنها أوفى اللذات ، عند من أنس بها ، فهي أدومها ؛ إذ المنعم بها عليه ، هو اللّه وملائكته ، ولكن عند إكبابه على الطلب ، وتجرده له .
ولذلك لا ترى عاقلا من الرؤساء ، والولاة ، إلا وهم في خوف العزل ، يتشوقون أن يكون عزهم كعز العلماء .
* * *
هامش
( 1 ) في هذا ما يدل على أن العلم إذا طلب لذاته ، كان وشيجة يربط بين أهله ، ومن خواص العلم أن مائدته لا تضيق بكثرة الراغبين .
وإنما يحدث بين العلماء ما يحدث من التنابذ ، والتدابر ، والتقاطع ، حين يقصدون بعلمهم حطام الدنيا ، ويتخذون منه وسيلة لتحصيل جاه زائف ، أو منصب زائل غير دائم .
والعلم غاية الغايات ، ومن طلب به غيره ، فقد أهانه ، وجعله خادما وهو المخدوم ، وذليلا وهو العزيز ، ومن أذله جلب لنفسه الذلة ، ومن أهانه جلب لنفسه الإهانة ، ومن أعزه عز بعزته ، ومن أعلى قدره علا قدره به .
فاللهم عرفنا قدر العلم ، واعل به قدرنا ، واجعلنا ممن أخلصوا النية في طلبه ، وأدوا حقه عليهم ؛ ليكون شفيعا لنا عند اللّه يوم القيامة .