ولذلك يكرهون في الطلب إراقة ماء الوجه ، ويؤثرون الاحتزاز عن الافتضاح ، والاستتار في قضاء شهوة الفرج ، ومقاساة الآلام والمشقات .
بل يؤثر الإنسان ترك الطعام ، يوما ، أو يومين ، ليتوصل به إلى لذة الغلبة في الشطرنج ، مع حسيته . ولذة الغلبة عقلية .
وقد يهجم على عدد كبير من المقاتلين ليقتل ، ويعتاض عنه ما يقدره في نفسه من لذة الحمد ، والوصف بالشجاعة .
وزعموا أن الحسيات بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة ، في غاية القصور .
وتكاد تكون نسبتها إليها ، كنسبة إدراك رائحة المطعوم اللذيذ ، إلى ذوقه .
ونسبة النظر في وجه المعشوق إلى مضاجعته ، ومجامعته ، بل أبعد منه نسبة ،
وزعموا أن ذلك ، لما بعد عن فهم الجماهير ، مثلث لهم تلك اللذات ، بما عرفوها من الحسيات ،
كما أن الصبى يشتغل بالتعلم ؛ لينال به القضاء ، أو الوزارة وهو لا يدرك في الصبى لذتهما ، فيوعد بأمور يلتذ بها كثيرا :
كصولجان يلعب به .
أو عصفور يعبث به .
وأمثاله .
وأين لذة اللعب بالعصفور من لذة الملك والوزارة ؟
ولكن لما قصر فهمه عن درك الأعلى ، مثل بالآخر ، ورغب فيه . تلطفا باستدراجه إلى ما فيه سعادته .
* * *
ميزان العمل — صفحة 184
مساهمون: الغزالي
ص١٨٤