وأما الحسيات ، فأنكروا وجودها من خارج ، ولكن أثبتوها عن طريق التخيل ، كما في حالة النوم ، ولكن النوم يتكدر بالتنبه ، وذلك لا تكدر له ، بل هو على التأبيد .
وزعموا أن ذلك يثبت لطائفة من المشغوفين بالمحسوسات ، والذين التفات نفوسهم مقصور عليها ، ولا يسمون إلى اللذات العقلية .
وهذا لا يفضى إلى أمر يوجب فتورا في الطلب ؛ فإن الالتذاذ إنما يقع بما يحصل في نفس الإنسان ، من التأثر بالملموس ، والمنظور ، والمطعوم ، وغيره .
والشئ الخارج سبب في حصول الأثر ، وليست اللذة من الأثر الخارج ، بل من الأثر الحاصل عند حضور الخارج .
فإذا أمكن حصول الأثر في النفس ، دون الشئ الخارج كما في حالة النوم ، فلا أرب في الشئ الخارج .
وفرقة ثالثة : ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسية جملة ، بطريق الحقيقة والخيال .
وزعموا أن التخيل لا يحصل إلا بآلات جسمانية ، والموت يقطع العلاقة بين النفس ، والبدن الذي هو آلته في التخيل وسائر الإحساسات .
ولا يعود قط إلى تدبير البدن ، بعد أن أطرحه .
فلا يبقى له إلا آلام ولذات ليست حسية ، ولكنها أعظم من الحسية .
فإن الإنسان في هذا العالم أيضا ، ميله إلى اللذات العقلية ، ونفرته من الآلام العقلية ، أشد .
ميزان العمل — صفحة 183
مساهمون: الغزالي
ص١٨٣