وكانت حوادث الزمان ، ومهمات العيال ، وضرورات المعاش ، تغير فىّ وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة ، ولكني مع ذلك لا أقطع طمعى منها ، فتدفعنى عنها العوائق وأعود إليها .
ودمت على ذلك مقدار عشر سنين .
وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها .
والقدر الذي أذكره لينتفع به ، أنى علمت يقينا :
أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق .
بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكم الحكماء ، الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا .
وأن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به .
وبالجملة : فما ذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وهي أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ، استغراق القلب بالكلية بذكر اللّه ، وآخرها الفناء بالكلية في اللّه .
وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها ، وهي على التحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه .
ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد ، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ، ولا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه .
وعلى الجملة ينتهى الأمر إلى قرب يكاد يتخيل معه طائفة الحلول ، وطائفة الاتحاد ، وطائفة الوصول ، وكل ذلك خطأ ، وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب
ميزان العمل — صفحة 161
مساهمون: الغزالي
ص١٦١