تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
العبودية للّه ، وللّه وحده ، فهي السمو بالنفس عن مجالات الهوان ، والذلة ، والضعة وهي المقام الأسمى الذي لا يتطاول إليه إلا العظماء الأعزاء ؛
[ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ]
يقول الغزالي : [ إذ ظنوا - أي العلماء - أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، وكان ذلك مبغلهم من العلم . ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، وظن ، من بعد عن العراق ، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة . وأما من قرب من الولاة ، فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي ، والإنكار علىّ واعراضى عنهم ، وعن الالتفات إلى قولهم ، فيقولون : هذا أمر سماوي ، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام ، وزمرة العلم . ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ولم أدخر إلا قدر الكفاف ، وقوت الأطفال ، ترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح ؛ لكونه وقفا على المسلمين ، فلم أر في العالم مالا يأخذه العالم لعياله ، أصلح منه . ثم دخلت الشام ، وأقمت فيه قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة ، والخلوة ، والرياضة ، والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر اللّه تعالى ، كما كنت حصلته من علم الصوفية ، فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق ، أصعد منارة المسجد طول النهار ، وأغلق بابها على نفسي ، ثم دخلت منها إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة ، وأغلق بابها على نفسي ، ثم تحركت فىّ داعية فريضة الحج ، والاستمداد من بركات مكة والمدينة ، وزيارة رسول اللّه تعالى ، عليه السّلام ، بعد الفراغ من زيارة الخليل ، صلوات اللّه عليه . فسرت إلى الحجاز ، ثم جذبتنى الهمم ، ودعوات الأطفال ، إلى الوطن ، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق من الرجوع إليه ، وآثرت العزلة أيضا حرصا على الخلوة وتصفية القلب للذكر .