من بغداد ، على عزم أن لا أعاودها أبدا ، واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ؛ إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيّا .
وهذا لا شك أمر جد غريب أن يكون العلماء حتى في ذلك العهد المبكر في تاريخ الأمة الإسلامية ، إذ كان ذلك في أوائل القرن الخامس عشر ، يتحركون أكثر ما يتحركون ، بل كلما يتحركون لبواعث تتصل بالدنيا وعرضها الفاني ، وإذا كانوا هم لسان الدعوة إلى اللّه وإلى تنبيه الناس إلى أن تكون تحركاتهم للّه ، ومن أجل اللّه ، ثم لا يتحركون هم للّه ، ولا يجعلون بواعث تحركاتهم ، راجعة إلى اللّه وإلى طلب مرضاته ، بل لا يصدقون أن تكون تحركات غيرهم للّه ، ومن أجل اللّه ، مع إمكان أن يجعل المرء تحركاته للّه ، ثم لا يفوت عليه ذلك كثيرا من لذائذ الدنيا ومتاعها ؛ فإن مرضاة اللّه ليس سبيلها هو عذاب النفس وإيلامها ، ولكن سبيلها وضع الأمور في مواضعها ، والسير على الصراط المستقيم الذي لا تفريط فيه ولا إفراط ، فليتحمل العلماء وزر هذا الصنيع ، وليبوءوا بإثم هذه القدوة العملية السيئة ، فإن الناس ينظرون إلى أفعال العلماء أكثر مما ينظرون إلى أقوالهم ؛ فإذا كانوا هم أنفسهم ، وقد امتزج العلم بدمهم ولحمهم ، لا يستطيعون أن يجعلوا من سيرتهم مثلا عمليّا لإمكان تطبيق مبادئ الشريعة ، فليتدبروا قول اللّه تعالى :
[ أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ]
وقوله تعالى :
[ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ . . . ]
وبعد فلنعد إلى كبار النفوس ، أرباب العزائم ، ممن لم يرضوا أن ينسلكوا في غمار العلماء ، الذين يتخذون علمهم وسيلة لعرض من أعراض الدنيا ، يتجرون بالعلم ، كما يتجر أصحاب السلع في سلعهم ، لنعد إلى الغزالي الذي أدرك نفسه قبل أن يشرف على الهلاك ، وتيقظ قبل فوات الأوان ، وصعد مكانا يليق بأمثاله ممن لا يرضون أن يكونوا عبيدا إلا للّه ، لا لشهواتهم ، ولا لأهوائهم ، ولا لأموالهم ، ولا لمناصبهم ؛ فإن العبودية لكل هذه الأمور مذلة وهوان ، إنما