الهداية ، بصرف النظر عن أشخاص الأنبياء ، على أن يكون الإيمان اليقيني بأشخاصهم ، داخلا ضمن بقية الحقيقة التي لم تنكشف له بعد ؟ أم يعنى أنه آمن بأشخاصهم ، وبلغ إيمانه بهم مبلغ اليقين ؟
ونعود بعد هذا إلى متابعة حديث الغزالي عن التصوف والمتصوفة ، :
قال :
[ . . . فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان ، كانت رسخت في نفسي ، لا بدليل معين ، بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها .
وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى ، وكف النفس عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافى عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكل الهمة على اللّه تعالى .
وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه ، والمال ، والهرب عن الشواغل والعلائق .
ثم لاحظت أحوالي ؛ فإذا أنا منغمس في العلائق ، وقد أحدقت بي من الجوانب .
ولاحظت أعمالى ، وأحسنها التدريس والتعليم ؛ فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ، ولا نافعة في طريق الآخرة .
ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، فإذا هي غير خالصة لوجه اللّه تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقنت أنى على شفا جرف هار ، وأنى قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل بتلافى الأحوال ، فلم أزل أتفكر فيه ، وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على الخروج من بغداد ، ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم يوما ، وأقدم فيه رجلا ، وأؤخر عنه أخرى ، لا يصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرة ، إلا ويحمل عليه جند الشهوة حملة ، فيفترها عشية .
فصارت شهوات الدنيا تجاذبنى سلاسلها إلى المقام ، ومنادى الإيمان ينادى
ميزان العمل — صفحة 157
مساهمون: الغزالي
ص١٥٧