وإيمان يقيني بالنبوة .
وإيمان يقيني باليوم الآخر .
يكون قد حصل على أهم أركان الحقيقة التي كان يبحث عنها ، والتي أراد أن يكون علمه بها من قبيل علمه بأن الثلاثة أقل من العشرة . ولكن الغزالي لم يبين لنا كيف وصل إلى العلم اليقيني بهذه الأركان بأكثر من قوله : إن ممارسة العلوم ، والمسالك التي سلكتها في ممارستها ، والانكباب على التفتيش في أصناف العلوم الشرعية والعقلية كل ذلك قد هداني إلى التصديق الجازم الذي لا يحتمل النقيض بهذه الأركان .
وليس يخالط منصفا شك في أن للنفوس مداخل ، تدخل عليها منها الحقيقة ، وأن كثرة مزاولة البحث وإدامة النظر والتفتيش ، مع رغبة قوية في الوصول إلى الحق ، قد تنتهى بصاحبها إلى معرفة تبلغ حد اليقين .
والنفوس تختلف في هذا الأمر اختلافا بينا ، فما يهدى نفسا قد يضل أخرى ، وما يكفى لواحدة قد لا يبلغ حد الكفاية عند أخرى .
فليس من حقنا أن ننكر على الغزالي ما حكى لنا أنه وقع له ، على الرغم من أنه قد قرر - على ما أذكر - في كتاب ( معيار العلم ) : أن الإيمان باللّه والنبوات واليوم الآخر ، لا يبلغ مبلغ اليقين الرياضى ، بل يكون دونه ، فلعل ما ذكره في كتاب ( معيار العلم ) إنما كان حديثا عما يقع لكثرة الخلق وغالبيتهم ، لا عما يقع للخاصة منهم ؛ فإن أرباب المشاهدات ، من الصوفية ، بل أصحاب النظر الدقيق في العالم من حيث دقة صنعه ، وكمال إتقانه ، يبلغ إيمانهم باللّه مبلغا لا يقل عن اليقين الرياضى .
[ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ]
غير أن في قول الغزالي ( إيمان باللّه تعالى ، وبالنبوة ، وباليوم الآخر ] .
غموضا ، من حيث إنه لم يبين لنا ما يعنى ب ( النبوة ) هذا الأصل الذي آمن به نتيجة لطول ما بحث وفتش ، إيمانا يقينا ، هل يعنى أنه آمن إيمانا يقينا بالنبوة كمنهج اقتضت حكمة اللّه أن يسلكه مع خلقه تمكينا لهم من أسباب