تقف في طريق ذلك القول ، فقد رآى « الطوسي » أن يزيحها من أمامه ، بوساطة أن يفهمها فهما أكثر تحددا ، ولكنه مع ذلك راعى أن لا يخرج بفهمها عن دائرة المعلومات التي يسلم بها ابن سينا .
وما دام العلم شيئا ، والإحساس شيئا غيره ، عند ابن سينا .
وما دام العلم له وسيلته التي تغاير وسيلة الإحساس عند ابن سينا أيضا .
فالحكم على أحدهما بشئ ، لا يتناول الآخر .
والقاعدة قد قالت :
[ إن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ] .
ومعناها أن من علم الواجب الذي هو علة - سواء كان العالم به هو نفسه أو غيره - يعلم ما يتناوله العلم من معلولات هذا الواجب . أما ما لا يتناوله العلم من معلولاته ، فلا يلزم من العلم بالواجب العلم به .
والجزئيات المتغيرة ، تحس ولا تعلم ، فبالرغم من أنها معلولة للواجب ، إلا أن العلم به لا يوجب الإحساس بها ، لأن القاعدة تقول :
من علم العلة علم بمعلولها .
وهذا قاصر على المعلول الذي يعلم ، وليس شاملا للمعلول الذي يحس .
وعلى ذلك لا تكون هذه القاعدة معارضة لما اقتضاه قول ابن سينا :
الواجب ليس موضوعا للتغير .
والعلم بالمتغير تغير .
فالواجب لا يعلم المتغيرات .
وهذه محاولة ناجحة - لا من حيث موضوعها ، فإن ذلك ليس موضوع حديثنا الآن - بل من حيث إنها تفادت وقوع تعارض بين القواعد المسلم بها من وجهة نظر ابن سينا نفسه .
فهل إذا كان هذا الحل يخضع لتعاليم « ابن سينا » نفسه ، ولم يجلب « الطوسي » له شيئا من عنده ، يحق ل « صاحب المحاكمات » أن يدس نفسه في الموضوع ليقول فيه رأيا من عند نفسه ، متناسيا ما أخذ به « الطوسي » نفسه من التعامل بأفكار « ابن سينا » لا بأفكار أحد غيره ، ويقول :
ميزان العمل — صفحة 108
مساهمون: الغزالي
ص١٠٨