وقد كان الغزالي حريصا على أن يعرف الحق ؛ لأن الحق هدف النفوس الكبيرة والهمم العالية ، وحريصا على أن يتعرف النهج القويم الذي يصله بالفرقة الناجية .
ومن كان ذلك همه لا يتصور منه أن يقع على فرقة من الفرق ، أو يفضل رأيا على رأى خضوعا لعامل المصادفة المحضة ، وكيف يتأتى ذلك من الغزالي وهو الذي يقول :
[ فجانب الالتفات إلى المذاهب ، واطلب الحق بطريق النظر ؟ لتكون صاحب مذهب ، ولا تكن في صورة أعمى تقلد قائدا يرشدك إلى طريق .
وحواليك ألف مثل قائدك ينادون عليك بأنه أهلكك وأضلك عن سواء السبيل ، وستعلم في عاقبة أمرك ظلم قائدك فلا خلاص إلا في الاستقلال !
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل
ولو لم يكن في مجارى هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لتنتدب للطلب فناهيك به نفعا : إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق .
فمن لم يشك لم ينظر . ومن لم ينظر لم يبصر . ، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال .
نعوذ باللّه من ذلك « 1 » ]
وهو الذي يقول :
( إن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون . وما نجا منه إلا الأقلون ، وكل يزعم أنه الناجي ، وكل حزب بما لديهم فرحون .
ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض فيه خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، واتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل وطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ؛ لأميز بين
هامش
( 1 ) ميزان العمل .