والأستاذ « ما كدونالد » يذهب إلى رأى « 1 » .
وكلهم فيما أرى أخطأهم التوفيق .
وعندي أن الشك قد لعب مع الغزالي دوين هامين :
أولهما : دور كان فيه الشك خفيفا سمحا من النوع الذي يعترى كثيرا من الباحثين والمفكرين .
وثانيهما : دور كان فيه الشك عنيفا هداما ، من النوع الذي يعترى كبار الفلاسفة والمفكرين .
أما الدور الأول فحقيقته أن الغزالي رأى أمامه فرقا متعددة ، وآراء متنابذة متباينة ، فلم يجنح لواحدة من هذه الفرق ، ولا لواحد من هذه الآراء قبل أن يفحصها كلها ، فحصا دقيقا ، ويتبين المحق منها والمبطل ، والصواب منها والخطأ . فهو في هذه المرحلة من الشك يتساءل : أي هذه الفرق على حق ؟
ولكي يعرف المحقّ والمبطل ، من هذه الفرق ، والصواب والخطأ من آرائها ، لا بد من استعمال موازين يصل عن طريقها إلى المعرفة المنشودة .
وقد كان الناس في عهده يعولون على العقل ، وعلى الحواس ، وعلى نصوص الكتاب والسنة ، يتخذون منها موازين يزنون بها الآراء ، ويفاضلون بها بينها .
والناس في استعمال العقل ، والحواس ، والنصوص ، يتفانون ، فهنالك من يقدر على أن يميز بين اليقين وغيره مما ليس منه ولكنه يلتبس به ، وهناك من لا يقوى على بلوغ هذه الدرجة .
وفيهم من ينخدع بالحواس ، ومنهم من يفطن إلى تلبيساتها .
والنصوص هنالك من يجمد على ظواهرها ، ومن يفطن إلى أهدافها ومراميها فبالرغم مما توافقوا عليه من الرضى بهذه الموازين اختلف ما تأدوا إليه بها وكان من نتيجة ذلك أن كان منهم من ضلوا وأضلوا .
هامش
( 1 ) إذا أردت الوقوف على آرائهم تفصيلا ، وعلى مناقشتها فارجع إلى كتابنا « الحقيقة في نظر الغزالي » طبع دار إحياء الكتب العربية ، عيسى الحلبي وشركاه .