وما كان لباحث أن يهتم بالسماء والأرض ، والبحار والجبال والكواكب يدرس نشأتها ومصيرها ونظامها ، ثم ينسى نفسه ، وهي ألصق به من كل ذلك ، وأهم له من كل أولئك إلا أن يكون ممن يحلو لهم أن يشغلوا بالمهم عن الأهم .
ولم يك الغزالي من هؤلاء الذين يبدؤون من غير نقطة البداية ، ويأخذون الطريق من منتصفها لا من أولها ؛ ولذلك يقول في كتابه هذا الذي بين يديك :
موجها الفكر إلى أول ما ينبغي النظر إليه ، يقول :
[ فعليه - أي على من يبتغى النصيحة - أن يطلب العلم الحقيقي الذي يكشف له حالة الإنسان بعد موته . . . وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس ، وماهيتها ، ووجه علاقتها بالبدن ، ووجه خاصيتها التي خلقت لها ، ووجه إلتذاذه بخاصيته ، وكماله ، مع معرفة الرزائل المانعة له من كماله ]
هذه هي نقطة البداية ، أعنى بداية البحث والنظر ، فيما يرى الغزالي ، وإذا كان للحقيقة أوجه كثيرة ، وجوانب متعددة ، فألصق هذه الجوانب بنا ، وأهمها لنا ، هو الإنسان .
ولقد عنى الغزالي بهذا الجانب أيما عناية حيث أفرد له كتابا من أهم كتبه سماه :
( معارج القدس في مدارج معرفة النفس )
ولعل دوره يأتي قريبا إن شاء اللّه في الإخراج .
وما دام هذا الجانب جزأ فقط من الحقيقة ، لا كل الحقيقة ، وما دامت أجزاء الشئ وجوانبه متشابكة متماسكة ، لا يمكن استقلال بعضها عن بعض ، ولا الوقوف على كنه بعضها منعزلا عن بعض ، فقد كان من الطبيعي أن تتجاذب الغزالىّ هذه الجوانب كلّها ، فلم يلبث أن وجد نفسه يتنقل بين ربوعها ، ويقتطف من يانع ثمارها ، ولم يلبث أن رسم للحقيقة التي لا بد للباحث من الوقوف على كنهها مجالا أوسع ، وذلك حيث يقول :
[ . . . أما العلمي : فمعرفة اللّه تعالى ، ومعرفة الملائكة والأنبياء ، أي معرفة النبوة ، ومراتبها ، ومراتب الملائكة ، وملكوت السماوات والأرض وآيات الأنفس والآفاق ، وما بث فيها من دابة .
ميزان العمل — صفحة 8
مساهمون: الغزالي
ص٨