تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
تكن الجنة ولذلك من اللّه تعالى به على الانسان فقال
( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ )
تنبيها على أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية وعدّه علينا في نعمه فقال
( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )
فجعل الموت إنعاما كما جعل الحياة انعاما لأنه لما كانت الحياة الأخروية نعمة لا وصول إليها إلا بالموت فالموت نعمة لأن السبب الذي يتوصل به إلى النعمة نعمة ولكن الموت ذريعة إلى السعادة الكبرى لم يكن الأنبياء والحكماء يخافونه حتى قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام : واللّه ما أبالي أقع على الموت أو يقع الموت علي . وكانوا يتوقعونه ويرون انهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم . وعلى هذا روي : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . وقيل إنه لما مات داود الطائي سمع هاتف يقول اطلق داود من السجن . قال اللّه تعالى
( وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ )
تنبيها على أن الموت سبيل الحياة المستفادة عند اللّه تعالى وقال تعالى
( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )
وقال تعالى
( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ )
الآية . وعلى هذا نبه اللّه تعالى بقوله
( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ )
فنبه على أن هذه التغيرات خلق أحسن فنقض هذه البنية لإعادتها على وجه اشرف كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلا مثمرا الا بعد افساد جثتها وكذلك البر إذا أردنا ان نجعله زيادة في أجسامنا يحتاج ان يطحن ويعجن ويخبز ويؤكل فيغير تغييرات كثيرة هي فساد لها في الظاهر وكذلك البذر إذا ألقي في الأرض يعده من لا يتصور مآله وحاله فسادا فالنفس تحب البقاء في هذه الدار إذا كانت