شيئا فشيئا لكان قد منع كل شيء لان بعضه كان يمنعه عن استعمال البعض وإلى تمكن الانسان من تحصيل ما يريده أشار اللّه تعالى بقوله :
« وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
وقد ظن قوم ان اللّه تعالى خلق الناس من بين الحيوان خلقا منقوصا إذ لم يعطوا سلاحا يدفعون به عن أنفسهم كما أعطى كثيرا من الحيوان أسلحة كالأنياب والمخالب إذ لم يكفهم لباسهم كما كفى الحيوان بل قد أحوجهم إلى تطهير البدن وقد أغناها عنه قالوا ولذلك قال اللّه تعالى
« وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً » .
وليس كذلك والصحيح عند المخلصين ان الانسان وإن كان ضعيفا بالإضافة إلى الباري تعالى وإلى الملأ الاعلى فليس يقصر عن الحيوان جميعه من جهة ما ظنوه فإن اللّه تعالى بحكمته البارعة أعطى كل واحد من الحيوان سلاحا بقدر ما علم من مصلحته فبعض جعل له آلة الهرب كالعدو والبعض جعل له رمحا يدفع به كالقرون للبقر والغنم وبعض دبوسا كالحافر للفرس والحمار وبعض نشابا كالشوك للقنفذ ، وجعل لكل لباسا بحسب كفايته وألهم كلا منها صنعة يتعاطاها بطبعه وجعل للإنسان بدل ذلك الفكر والتمييز الذي يمكنه ان يتخذ به كل آلة وكل ملبس على قدر حاجته اليه ويتناوله متى شاء ويضعه متى أحب ويستبدل به كيفما أراد والحيوانات ليس لها أن تضع أسلحتها متى ما استغنت عنها ولا أن تستبدل بها فهذا دليل على تمام الانسان ونقصان الحيوانات والانسان بالفكر والروية يقهر الحيوانات التي هي أقوى منه لأنه يهىء بفكرته لكل منها آلة يصطادها بها فإذا العقل الذي أعطاه ليحصل به كل ما يحتاج اليه أعلى وأشرف ، فإنه مرآة إذا جلاها اضطلع بها على ملكوت السماوات والأرض