عليه السّلام
( وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) *
وقال في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم (
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
) وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم أن يقبلوا من الملائكة لما بينهم من المناسبة بتلك الأرواح ويلقون إلى الناس لما بينهم من المناسبة البشرية لذلك قال سبحانه
( وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) .
تنبيها على أن ليس في قوة عامة البشر الذين لم يخصوا بذلك الروح ان يقبلوا إلا من البشر .
ولما عمي الكفار عن إدراك هذه المنزلة وعما للأنبياء من الفضيلة أنكروا نبوة الأنبياء كما قال اللّه تعالى
( قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ )
فالأنبياء صلوات اللّه عليهم بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات وكالقلب بالإضافة إلى سائر الجوارح وأيضا فمنزلة الأنبياء من أممهم بمنزلة الشمس من القمر ومنزلة علمهم من علوم أممهم بمنزلة ضوء الشمس من نور القمر كما قال اللّه تعالى
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ) .
فكما أن نور القمر مقتبس من ضوء الشمس وهو قاصر عنها كذلك منزلة الأمم من أنبيائهم ومنزلة علمهم من علومهم . وكما لا يحصل النور للقمر إلا بوساطة الشمس كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلا بوساطة الأنبياء وعلى هذا دل اللّه تعالى بقوله
( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
فاللّه تعالى وتبارك يزكي الأنبياء بوساطة الملك ويزكي من يشاء من الناس بوساطة الأنبياء كالطابع الذي جعل له كتابة ثم بوساطته يثبت في الشموع المختلفة شكل تلك الكتابة