فلا يمكن أن يتصور حقيقته حتى يبلغ فيباشره بنفسه وكالأكمه توصف له المرآة ، وحالنا في اللذة الأخروية هكذا فإنا لا نتصورها على الحقيقة إلا إذا طالعناها فإذا طالعناها شغلنا الفرح والتلذذ بها عن كل ما دونها كما قال تعالى
« أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ »
والثاني أن لكل قوة من قوى النفس وجزء من أجزاء البدن لذة تختص بها لا يشاركها فيها غيرها فلذة العين في النظر إلى ما تستحسنه ولذة السمع في الاستماع إلى ما يستطيبه ولذة اللمس في لمس ما يستلذه ولذة الوهم في تصور ما يؤمله ولذة الخيال في تخيل ما يستحسن تصوره ولذة الفكر أمر مجهول عنده يتعرفه وكل واحد من هذه القوى والأجزاء إذا عرض لها آفة تعوقها عن شهوتها وعن إدراك لذتها يكون كالمريض الذي لا يشتهي الماء وكان به ظمأ وإذا تناوله لم يجد له لذة كما قال الشاعر :
ومن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا
وإذا كان كذلك فاللذات الأخروية هي لذات لا تدرك إلا بالعقل المحض وعقول أكثر من في هذه الدار مولهة معوقة عن إدراك حقائق اللذات الأخروية فلا تشعر بها كالخدر « 1 » لآفة عرضت له فلا يحس بالسبب المؤلم . وكالمريض الذي لا يحس بالجوع وإن كان جوعه يؤذيه ولا يشتهي الطعام إن كان فقد الطعام يضنيه بل إنما يحس بالجوع إذا زال السبب المؤلم . وأيضا فعقول أكثرنا ناقصة وجارية مجرى عقول الصبيان الذين لم يبلغوا مبلغ رجال قد عرفوا حقائق الأشياء فكما أن الصبيان ما داموا صغارا لا يحسون باللذات والآلام التي تعرض للرجال فيتعللون بالأباطيل والأضاليل كذلك من كان في عقله صبيا لم يطلع على الحقائق
هامش
( 1 ) خدر العضو استرخى فلا يطيق الحركة