الباب السادس عشر في سعادة الانسان ونزوعه إليها
قال بعض الحكماء : جعل اللّه لكل شيء كمالا ينساق اليه طبعا وقد هداه إلى التخصيص به تسخيرا كما نبه اللّه عليه بقوله تعالى ( أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) . وللإنسان سعادات أبيحت له وهي النعم المذكورة في قوله تعالى ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ) وجميع النعم والسعادات على القول المجمل ضربان ضرب دائم لا يبيد ولا يحول وهو النعم الأخروية وضرب يبيد ويحول وهو النعم الدنيوية . والنعم الدنيوية متى لم توصلنا إلى تلك السعادات فهي كسراب بقيعة وغرور وفتنة وعذاب كما وصفه اللّه تعالى في كتابه « إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ . . . الآية » وما أصدق ما قال الشاعر :
فصل
ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد ولكن كثيرا ما يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته انها سعادة فيغتر بها فيكون كالموصوف يقول اللّه تعالى « وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً » . وبقوله تعالى « أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ » وقال الشاعر :