تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

الباب السادس عشر في سعادة الانسان ونزوعه إليها

قال بعض الحكماء : جعل اللّه لكل شيء كمالا ينساق اليه طبعا وقد هداه إلى التخصيص به تسخيرا كما نبه اللّه عليه بقوله تعالى
( أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) .
وللإنسان سعادات أبيحت له وهي النعم المذكورة في قوله تعالى
( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها )
وجميع النعم والسعادات على القول المجمل ضربان ضرب دائم لا يبيد ولا يحول وهو النعم الأخروية وضرب يبيد ويحول وهو النعم الدنيوية . والنعم الدنيوية متى لم توصلنا إلى تلك السعادات فهي كسراب بقيعة وغرور وفتنة وعذاب كما وصفه اللّه تعالى في كتابه
« إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ . . .
الآية » وما أصدق ما قال الشاعر :
إنما الدنيا كرؤيا أفرحت * من رآها ساعة ثم انقضت

فصل

ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد ولكن كثيرا ما يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته انها سعادة فيغتر بها فيكون كالموصوف يقول اللّه تعالى
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً » .
وبقوله تعالى
« أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ »
وقال الشاعر :
كل يحاول حيلة يرجو بها * دفع المضرة واجتلاب المنفعة والمرء يغلط في تصرف حاله * فلربما اختار العناء على الدعه