تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤

فصل

النعم النيوية إنما تكون نعمة وسعادة متى تنوولت على ما يجب وكما يجب ويجري بها على الوجه الذي لأجله خلق وذلك أن اللّه جعل الدنيا عارية ليتناول منها قدر ما يتوصل به إلى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية . وشرع لنا في كل منها حكما بيّن فيه كيف يجب أن يتناول ويتصرف فيها لكن صار الناس في تناولها فريقين فريق يتناولوه على الوجه الذي جعله اللّه له فانتفعوا به فصار ذلك لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى
« الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » .
وقوله عز وجل :
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) .
وقوله تعالى :
« وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً » .
فهؤلاء حيوا بها حياة طيبة كما قال تعالى
« فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً »
* وفريق يتناولوها لا على الوجه الذي جعلها اللّه لهم فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة فتعذبوا بها عاجلا وآجلا وهم الموصوفون بقوله تعالى
« إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ »

فصل

والسعادات الأخروية ليس لنا تصور كنهها ما دمنا في دار الدنيا ولذلك قال تعالى
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » .
وكما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر * والسبب عن قصورنا في تصورها شيئان أحدهما أن الإنسان لا يمكن أن يعرف حقيقة الشيء وتصوره حتى يدركه بنفسه وإذا لم يدركه ووصف له يجري مجرى صبي توصف له لذة الجماع