وذلك لحاجته إلى الانتقال والسعي وتناول الحاجات ودفع الاذيات وليس يتم له ذلك الا بالحركة ، وحركة المستدير نحو حاجاته تكون بالتدحرج وفيه من التعرض للآفات ما لا خفاء به ، وهو مع ذلك يحتاج إلى حرارة تحفظ عليه اعتدالا خاصا ومزاجا محفوظا وتلك الحرارة لطيفة جدا . وكان ينبغي أن تكون في الوسط كالمركز لتنتشر إلى أطراف الكرة بالسواء وتحفظ عليه مزاجه وجوهر الدماغ بارد رطب لا يصلح لذلك . فلو جعلت تلك الحرارة اللطيفة في وسطه لأطفأها سريعا وتلف الانسان . وأيضا فان الحرارة إذا جاورت الرطوبة أحدثت البخارات الكثيرة والبخارات إذا لم تجد منافذ إلى الهواء عادت إلى الحرارة فاطفأتها للوقت . فوجب من هذه الأشياء وغيرها مما يطول ذكره ان تبعد تلك الحرارة ، ولما أبعدت احتيج ان يوصل بينها وبين جوهر الدماغ بمجاري ومنافذ تجري مجرى القول وهو الشريانات التي بين القلب وبينه . ولما بعد ذلك احتيج إلى زيادة في الحرارة وقوتها إذ كانت تصل إلى هناك في مسافة طويلة وقد نقص بعض سورتها فجعل في القلب حرارة أزيد ليصل إلى الدماغ منها قدر الحاجة والكفاية لحفظ مزاجه . ولما زيدت هذه الحرارة احتدّت فحصل منها مما يجاورها من جوهر القلب بخار دخاني واحتاج إلى نافخ ينفخ عنها ابدا بالمنفخ البخاري الدخاني ويجلب إليها الهواء الموافق لها الذي يبقى فيه فلذلك خلقت له الرئة آلة للتنفس لتروح الحرارة وتخدمها في أسباب البقاء . ولما احتاج إلى الغذاء الموافق لرد العوض عما تحلل منه بالحرارة خلقت
الفوز الأصغر — صفحة 95
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٩٥