تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوز الأصغر — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وقد تبين في المباحث الفلسفية ان اللذات الجسمانية انما هي راحات من الملائم والراحة من الملائم ليست لذة حقيقة . وانما مثلنا فيها مثل المرهوق الذي يرخى عنه خناقه فيجد له راحة ، والكلام على تصحيح هذا الرأي يخرج بنا عن غرضنا من هذا الكتاب وهو مسطور مشروح في مواضعه . وهذه المواضع الغامضة التي هي غير معتادة لأكثر الناس هي أواخر الفلسفة وليس يتحققها العامة لأنهم انما يعرفون الحس وما يلزمه اعني الوهم ، فكل ما لا يحصل لهم من هذا الوجه لم يلتفتوا إليه وظنوه باطلا لأنهم لا يرونها إذ كانت العين التي تبصر بها هذه الأشياء ليست موجودة ، وبينهم وبين الحقائق حجب كثيفة من الحواس والحقائق يعدونها خرافات . وأرباب البصائر يرحمونهم كما يرحمون العميان ولذلك يجب ان يداروا ويردوا إلى المحسوسات في كل ما خفي عليهم ، وتضرب لهم أمثال منها ليسكنوا إليها والّا اطرحوه وظنوه لا شيء . وقد قال بعض الحكماء ان العامة يحسبون الذي هو حقيقة لا شيء ، ويحسبون الذي هو لا شيء شيئا . وهذا الكلام قريب المعنى من كلام افلاطن الذي حكيناه فيما سلف لأنك لا تزال تسمع ممن لا طبقة له في هذا العلم إذا أشير إليهم بشيء من المعقولات المجردة التي ليست في مواد يقولون : هذه صفة المعدوم وهذا لا شيء وهذا غير موجود . ولعمري انه غير موجود في الحواس التي يطلبونه فيها ، ولكنه موجود حق الوجود . وليس هؤلاء ذوي ابصار إذ قد فقدوا ما به يرى الموجود حقا سوى انه ينبغي ان يتعطف عليهم بالرحمة كما يتعطف على
الفوز الأصغر — صفحة 83 | أحمد بن محمد مسكويه الرازي